مدن لا تشبه باقي المدائن.مدن يحمل ريحها أصداء أمم قد خلت. تشعر بهذا الثقل في هوائها. رائحتها مختلفة عبقها دائماً محمل بالدم. بالارث. بالأسطورة. بالحزن. بالشجن. بالخوف. بالحلم. باطياف من ساروا على درب الحرية. ذلك الطريق القصير ذو النهاية الدامية. أناسها مختلفون عن باقي البشر. كأن الله لم يخلقهم من طين كالبشر. تخدعك مظاهرهم تتعجب من قدرتهم على التحمل. تستغرب استكانتهم لحياة ظاهرها بؤس و من باطنها عذاب. لزوجة أعينهم تخفي خلف الخنوع خبثا و مكرا يكاد لا يرى. تخفي خلف قناع الذل حلما يحملون في أعماقهم روحا واحدة. تتخاطب الأرواح فيما بينها ترسم طريقها للخلاص. تتناقل الحلم أجيالا وراء اجيال بتؤدة و ارث من الصبر القاسي. يقذف رجالها في ارحام نسائها الحلم. تلد النساء الحلم طفلا ترضعه. تغذيه. تربيه. تغرس الحلم في قلب الوليد. يكبر و الحلم سويا في سرية. يخوض في بحر الحياة و حلمه في جوفه يختمر. يزرعه في الأرحام كما زرعه ابوه و أجداده من قبل. هكذا انبثق الحلم في الأرواح بعيدا عن الأعين الراصدة.
هكذا غزل الحلم فتلة وراء اخرى. حتى اذا حانت اللحظة المناسبة. اللحظة التي اتفقت عليها كل تلك الأرواح التي نسجت الحلم. اللحظة التي زرعت في كل قلب و تنقلت بين الأجيال في سرية. لحظة رسمت ملامحها بدقة. جعلت لها مقدمات كأنها الساعة. جعلت لها علامات غابت عن العسس و كتاب التقارير. لحظة تقاطع كل الخيوط. لحظة اتصال كل الحلقات. لحظة اكتمال الحلم. لحظة اليقظة. لحظة الطوفان. لكل زمان طوفان يأتي بغتة يقتلع كل شيء. يعيد كل شيء لنقطة البداية الاولى. هذا هو الارث و هكذا تقول الاسطورة.
الطوفان. طوفان من البشر. يملئون كل شيء. يقتلعون كل شيء. يعيدون كل شيء للبداية الاولى كي يتمكنوا من البناء مرة اخرى. يفعلون هذا كله بتوحد. كأن كل هذه الأرواح التي حملت الحلم اتحدت في روح واحدة. روح عظيمة. تحمل في طياتها عبق ملايين البشر. تحتوي كل ازمنتهم. كأنهم صاروا شخصا واحدا. كل الوجوه صار لها نفس الملامح. نفس القلوب. نفس الدماء. الصوت واحد و النشيد ذات النشيد. تختلف الكلمات لكن اللحن واحد. الهتاف نفسه يملئ شوارع كل المدن. حرية! هكذا كانوا يهتفون. حرية. حرية. حرية.
انتهى الحلم. اصبح واقعا. اصبح حقيقة. اصبح ثابتا من الثوابت. موجودا الى الأبد. اصبحت مدن القمع مدنا للحرية. كلها صارت نفس المدينة؛ القاهرة مصراتة حمص تعز طرابلس الحمامات اللاذقية قنا الاسكندرية حماة الزاوية تونس عدن كلها مدن الحرية. لم تعد حلما. لم تعد وهما. لم تعد حديثاً لتزجية الوقت. لم تعد هما يصيب بالإحباط. صارت حقيقة نفاخر بها سائر المدائن. نحيا فيها و تحيا فينا. مدن الحرية ؛ حقيقتنا الوحيدة و ما خلاها ليس شيئا.
الأحد، 28 أغسطس 2011
الثلاثاء، 2 أغسطس 2011
يا مجند..صدرت الأوامر
صدرت الأوامر..وجه سلاحك يا مجند نحو أمك..نحو أخوك..نحو جارك..نحو طفلك الرضيع..وجه سلاحك نحو قلبك..اقتل بعنف كل طفولة و أخوة..اقتل ببندقيتك ما تبقى من ترانيم العروبة..انتشر في تشكيلاتك الحربية..استمع إلى آخر التوجيهات العسكرية..احشد قواك و شد من أزر البقية..استعد للاقتحام..للدفاع عن الوطن ضد الوطن..جهز صورة للرئيس..لترفعها فوق أنقاض الوطن..أيعقل أن يكون العسكري بكل هذا الغباء؟ ألا تسأل نفسك..لم أوجه فوهة بندقيتي نحو ذكريات الطفولة؟ ألا تسأل نفسك؟ أرضي المحتلة هناك..رابض بها جيش العدى الذي نتمرن على قتاله كل يوم، فلم أحتل أرضي الحرة اليوم إذا؟ أتراك نسيت..أم أن عقلك لا يتسائل؟ و هل تستوي الحياة بدون تساؤل؟ أيكون إنسانا من كان دون سؤال؟ اكتفيت بما قاله القادة..أنستك هيبة النياشين الكاذبة و سطوة الرتب المرتعشة أنك إنسان قبل أن تكون مجندا..ألا تفكر؟
أنت لم تعد جنديا عربيا..أنت مجند في جيش اللصوص..أنت حامي حمى الاستبداد..آلة للقتل..ماكينة للدمار..للهلاك..أنت لست فخر الجندية العربية..انس التاريخ الذي دروسك إياه في الكلية..انس صلاح الدين و قطز و أيبك..امح من ذاكرتك صورة ذلك المقاتل في سبيل الحرية..لا تقف بفخر تحت راية الوطن..لا تردد بصوت أجش نشيد العروبة..لا تنظر لسلاحك بفخر فأنت لست جنديا في جيش الشعب..أنت مكلف بحماية اللصوص..ترمي رصاصات غدر من بنادق مصنوعة في جهنم..ترمي بها إلى الصدور العارية..تفجر القلوب العذبة النقية..تقتل روحا عربية..تقتل الوطن ثم ترفع صورة الرئيس..تقطع حنجرة من غنى للوطن بصوت مغمور بعبق التاريخ القديم..بتعب الملايين و غلبهم..لتغني نشازا نشيدا للرئيس..
هي حرب لا نصر فيها..هي حرب لا تموت شهيدا فيها..هي حرب لا تستطيع أن تنهيها..فالجندي لم ينتصر يوما على الفكرة..أسمعت يوما عن جيش تمكن ممن الانتصار على ثورة..لو قتلت كل نفس..و اقتلعت من كل الصدور كل قلب..و قطعت كل الآذان و انتزعت كل الألسن..ستسمع من باطن الأرض نشيد الحرية..ستبقى الفكرة..سيموت العسكري و تبقى الفكرة..أسمعت يوما عن جندي هزم الفكرة...
الأربعاء، 6 يوليو 2011
جدة أم الرخا و الشدة
حنين جارف يأخذني إلى جدة. ذكريات الطفولة و الشباب الأول..أماكني التي أرتدتها حتى ألفتني..صدى وقع أقدامي على أرضها يرن في أذني..الأزقة المكتظة بآلاف الأجساد..شوارعها المعقدة..البسطاء مثلي من أهلها الطيبين..الروح الحية الدم الحامي و اللسان الحراق..الزناوة و الهيامة و النكتة الحاضرة.. الشتائم الحارة و الحميمة في نفس الوقت..تلك الفوضى التي أحبها و لا يفهمونها..تفصلني عنها مسافات و أزمان..كلانا تغير..أصبحت جدة "جدتين"..اتسعت الهوة و أصبح أهل جدة نوعان..أحب أحدهم و أمقت الآخر..و أنا ازددت نقما و تبرما..ليس تعنصرا لكن أسماعي اشتاقت لسماع لهجتي..لتلك الأصوات المشحونة المعجونة بعبق ثقافات كل الدنيا.. اشتقت لتلك الملامح المختلفة المتشابهة..ذلك التنوع الثري..المضحك أنني في صغري كنت أمقتها..أتوق للانعتاق من حبلها الذي كنت أظنه خانقي..طرت فرحا و أنا أتأهب للرحيل..كانت تبتسم..ظننتها فرحة هي الأخرى و هي تتخلص من أحد أبنائها المشاغبين..لم أكن أدري أنها كانت تتبسم إشفاقا..أو لعلها كانت شامتة..لأنها تعلم أن نسيانها هو المستحيل عينه..لأنها تعلم ما تخفيه الدنيا لمن شذ عن طريقها..لأنه يستحيل التمرد على متمردة..
تستقي شخصيتها من بحرها الهادئ في ظاهره المضطرم في أعماقه..بها خبث جميل تطبع به كل من خرج من رحمها..هي لعنة كلعنة الفراعنة..تصيب من رمته أقدار الهوى في حبها..تسقيه من ريقها رشفات لا يستطعمها في حينه لكنها تتغلغل في روحه فإذا حان الفراق بحثت حواسه عن تلك النكهة العذبة فلا تجدها..تعذبه بما كان سبب سعادته..فيمضي أيامه في حنين متواصل لعذوبة مذاقها الفريدة..أشتمها أحيانا..أحاول أن أطردها من ذاكرتي و أحيا في أحضان هذه المدينة..لكنها دائما هناك..تجري مني مجرى الدماء..أحاول حبسها بعيدا في ركن مظلم من دماغي..لكنها تنسل من بين القضبان و تجوس في أرجائي..تنكئ علي جراح البعد كل ليلة..و تمرر أوتارها على الندوب لتعزف لحنا شجيا حزينا..مواله اشتياق و اشتياق فاشتياق..يغزوني الحنين إلى جدة دائما حين ينسدل رداء الليل..يعم السكون و يخلد أهل هذه المدينة لنومهم..أشعر بشيطان جدة يتحرك في عقلي مبعثرا سكون ليلي..أين ليل جدة الصاخب من وحشة هذا المكان..الليل هنا مظلم..كئيب..ليل حقيقي خال من الضوضاء..ليل يصلح للأشباح..الصبح كذلك هادئ هنا..يستفزني الهدوء فأنا ابن جدة عاشق للصخب و الضوضاء..أحب صباحات جدة التي تخترق هدوئها أبواق السيارات زاعقة تختلط بأصوات الباعة الجائلين..تنصهر هذه الأصوات كلها متعالية إلى السماء في سيمفونية مزعجة ملوثة لا تطرب لها إلا آذان ألفت هذا النشاز..
حتما سأعود إليها يوما..ستصافح قدماي شوارعها في شوق..سأرتاد أماكني تلك..ستستمع أذناي بصخبها الجميل..سأسير في شوارعها و أروم أزقتها المكتظة مبتسما..مستمتعا بكل تفاصيلها..سأعتذر لها عن الغياب..لن أرحل هذه المرة..سأبقى فيها حتى يصيرني الزمان جزءا من تربتها..فأنا لست من العابرين..أنا ابنها..أنا منها و هي مني..العابرون لا يفهمون هذا الارتباط الأزلي..لا يعرفون ما هي جدة..العابر هو ذاك الذي يمر بالمكان دون أن يتوغل فيه..دون أن يأخذ من روح المكان شيئا و يترك فيه شيئا من روحه..و هؤلاء كثيرون..يأتون جدة و يذهبون و هم يذمونها..لأنهم لا يفهمونها..لإن كانت لندن عاصمة الضباب و باريس ديار الأناقة و دبي مثال التمدن و التطور، فإن حفرة من حفر شوارع جدة المتعبة تساوي كل هؤلاء و أكثر في أعين من ابتلي بعشق هذه القاتلة..جدة..أم الرخا و الشدة..
الأحد، 3 يوليو 2011
لا تبك يا أم الشهيد
شهيد قدم حياته كي يعيش وطنه. انطفئ النور في محاجره كي يضيء نورا يملئ أرض مصر ضياء ينير الطريق أمام وطن قضى في العتمة دهرا. لم يكن مناضلا و لا جنديا محترفا. لم يكن سياسيا و لا زعيما و لا بطلا. كان شابا و كفى. شابا مصريا بسيطا لو قابلته في الشارع لن تتذكره. شابا كسائر الشباب، خاطب يكد و يعمل لتوفير قوته و تجهيز نفسه للزواج. لا يعلم شيئا عن الأيديولوجية و الأحزاب و الحراك السياسي و النضال الشعبي. سمع صوت الأرض يناديه فلبى النداء. سمع اختناقة مصر فمنحها نفسه و قضى دونها. مارس البطولة ببساطة الغلابة. تلقى الرصاص الغادر و مات واقفا كالنخل. لم تكن له من كل الأمر غاية و لا سمعة. سمع مصر فحمل كفنه و ذهب يلاقي الموت لتعيش مصره شامخة متدفقة كالنيل في أزليته.
مات الشهيد. سقط فرعون. لكن جنوده توارو في خبث حتى تحين اللحظة المناسبة. حانت حتى قبل أن يتوقعوها. انشغلنا نحن بالورث و تركنا الشهيد جثة بلا روح. ذكرى بلا شجن. وضعنا الأنظمة و انخرطنا في التنظيمات. انهمكنا في التنظير و استعراض البطولات. نسينا أن ندفن الشهيد و نأخذ عزاه. بسطنا قبضاتنا و نسينا أن نبقيها مضمومة في وجه من اغتال الشهيد. لملم القتلة بعثرتهم و انتفضوا. أحد أخرى. من قال أن التاريخ يعيد نفسه لم يكذب. تركنا الجبهة و انطلقنا نحو الغنائم فهب القتلة و أثخنوا في القتل. عذبوا أم الشهيد. ضربوا أخاه. أهانوا ذكراه. أخذتنا الصيحة فوقفنا مشدوهين نتفرج على القاتل يقتل الشهيد مرتين.
لا تبك يا أم الشهيد. هي أحد و من ورائها الفتح العظيم. لا تبك يا أم الشهيد فكلنا أبناؤك. كلنا شهداء و إن كان بعضنا مازال حيا. لا تبك يا أم الشهيد فلن تذهب دماؤه الطاهرة هباء. لا تبك يا أم الشهيد فحقك راجع. ميدان الشهداء سيجمعنا من جديد. هذه المرة لن ننسى. لن نستكين حتى نهزم الظلم. حتى تتحول دموع عينيك أنهارا من فرح تغسل حزنك و تحيط بالفخر قلبك. حتى تغشى وجوه الزبانية قترة. حتى تفتح أبواب جهنم لتستقبل جحافلهم. حتى تري ملامح ابنك في كل الوجوه. لا تبك يا أم الشهيد فالشباب جبل على العناد. لا تبك يا أم الشهيد فحقك لن يضيع. لن يتبعثر دم ابنك بين القبائل. لا تبك يا أم الشهيد فكل الشهداء خارجون إلى الميدان. باقون هناك. حتى يلتحق الجنود بفرعونهم هناك، في أسفل سافلين...لا تبك يا أم الشهيد...
الاثنين، 23 مايو 2011
منال الشريف ليست جوهرة مكنونة
منال الشريف ليست جوهرة مكنونة و لا لؤلؤة مصونة. كما أنها ليست من القوارير و لا هي مكسورة الجناح تحتاج من تنضوي تحت جناح وصايته. هي ليست داعية تغريب و لا تنتمي لأي تيار، كما أنها لا تحمل أجندة خارجية و لا هي من المغرر بهم. هي امرأة و كفى. مواطنة فقط دون قيود و لا أيديولوجيات. امرأة من نساء الوطن. بها صلابة تحد، و ثبات عزيمة، و كبرياء أنثى أحرجت بها رجولتنا المشروخة و عنترياتنا الهوائية و بطولاتنا الوهمية. توارت أمامها "شنبات" من تلك التي يقف على أطرافها الصقر، و أطرقت أمام رجولة هذه الأنثى خجلا.
حقيقة كلي حرج و أنا أكتب هذه الكلمات الفقيرة أمام غنى موقفك يا سيدتي. فقد تمكن فعلك الجريء من تحطيم كل الأعراف و التقاليد و الثوابت و الخصوصيات التي كبلت أيدي الوطن لعقود مانعة إياه من مواكبة العالم سدا للذرائع. أقف خجلا أمام ما قمت به من عمل يتخطى ألف مقال ملتهب، فأنا يا سيدتي أجبن من أن أتحدى السلطات كما فعلت أنت. سامحيني، فكل ما أستطيعه هو أن أرص هذه الكلمات السخيفة جنبا إلى جنب تضامنا و تعاطفا و اسمحيلي. سأتنصل منها كلها عند أول اتصال من رقم "خاص" و مع أول زيارة فجرية من هؤلاء اللذين تعرفينهم. فأنا لست حملا لما تتعرضين له و سوف تتعرضين له مستقبلا. فبعد مرارة الحبس ستواجهين مرارة الجحود و النكران و الشتم و الأذى و التخوين و التكفير كذلك و لا تستغربي إذا وصل الحال لإباحة دمك و أنا يا سيدتي تعودت المشي "جنب الحيط" و لم تتعود قدماي على الخوض في الأسفلت. لذا سامحيني إذا لم أتمكن من الانتصار لك، و اعذريني إذا أصبحت سجينة أبدية و قضية منسية لكن اسمحي لي أن أقول أنني فخور بك.
قلتها سابقا و أكررها على الدوام: التغيير في السعودية تقوده المرأة بخطى ثابتة و شجاعة منقطعة النظير...
حقيقة كلي حرج و أنا أكتب هذه الكلمات الفقيرة أمام غنى موقفك يا سيدتي. فقد تمكن فعلك الجريء من تحطيم كل الأعراف و التقاليد و الثوابت و الخصوصيات التي كبلت أيدي الوطن لعقود مانعة إياه من مواكبة العالم سدا للذرائع. أقف خجلا أمام ما قمت به من عمل يتخطى ألف مقال ملتهب، فأنا يا سيدتي أجبن من أن أتحدى السلطات كما فعلت أنت. سامحيني، فكل ما أستطيعه هو أن أرص هذه الكلمات السخيفة جنبا إلى جنب تضامنا و تعاطفا و اسمحيلي. سأتنصل منها كلها عند أول اتصال من رقم "خاص" و مع أول زيارة فجرية من هؤلاء اللذين تعرفينهم. فأنا لست حملا لما تتعرضين له و سوف تتعرضين له مستقبلا. فبعد مرارة الحبس ستواجهين مرارة الجحود و النكران و الشتم و الأذى و التخوين و التكفير كذلك و لا تستغربي إذا وصل الحال لإباحة دمك و أنا يا سيدتي تعودت المشي "جنب الحيط" و لم تتعود قدماي على الخوض في الأسفلت. لذا سامحيني إذا لم أتمكن من الانتصار لك، و اعذريني إذا أصبحت سجينة أبدية و قضية منسية لكن اسمحي لي أن أقول أنني فخور بك.
قلتها سابقا و أكررها على الدوام: التغيير في السعودية تقوده المرأة بخطى ثابتة و شجاعة منقطعة النظير...
الأحد، 24 أبريل 2011
من صعلوك مبتدئ إلى شيخ الصعاليك..عمنا محمود السعدني
أهديها إلى روح الولد الشقي عميد الصعاليك، محمود السعدني..عليه من الله رحمة..
أعلم أنك هناك في الأعلى تنظر إلينا ترى بعينيك ما عشت من أجله و قد أضحى واقعا. الشعب العربي صحي يا عم محمود. في تونس ثم في مصر و لا يزال يواصل الصحيان في باقي أقطار الوطن العربي الكبير. قلتها أنت سابقا، الجذور لا تزال طيبة و هذه الطغم من حاكمين مستبدين، سياسيين لصوص، و مثقفين فواعلية من أصحاب نظرية يا بخت من نفع و استنفع اختفت و اندحرت و هربت. صحيح أن البعض يحاول القفز على الثورات و ركوب الموجة لكني أبشرك، الجيل العربي الجديد واع لدرجة المفاجأة. لم تعد تؤثر فيه الخطب العصماء و لا القمع و لا أجهزة المباحث و المخابرات و لا إعلام السلطة.نحن الآن نعيش زمن الحقيقة. لم يعد للمتلونين مكان فالتقنية الحديثة التي لم يعاصرها جيلكم و إن عاصرها لم يفهمها، أصبحت تكشف المستور و تظهر الظاهر و المستخبي.
كم وددت أن تكون بيننا، تشهد انتصار الشعب..ترى بأم عينك الشباب و هو يتحدى العجز و يخطف مصيره من فم أسد عجوز..كم وددت أن أقرأ لك مقالا في أيام الثورة، لكن يبدو أن الأقدار كانت رحيمة بك لأن مقالا من مقالاتك اللاذعة كان سيجلب عليك المهالك في هذا العمر..تكفيني قراءة مقالاتك القديمة و كتبك فقد تنبأت بهذا دائما..راهنت على الشعب و هويته و إيمانه أبدا فتجلت الحقيقة..كم تمنيت أن تكون بيننا، تشهد الشعب الليبي و هو ينفض غبار التسلط و ينتفض في وجه القذافي..القذافي الذي تعرفه جيدا، و سخرت منه و تتريقت عليه كثيرا..آه لو سمعت خطاب زنقة زنقة ما كنت ستقول؟ مجرد التفكير في ذلك يدفع إلى الضحك، لكنه ضحك كالبكاء فأنت تعرف هذا المجنون و أفعاله الحمقاء..
لا أظن أنك هناك في الأعلى...أعتقد أن السماوات أعطتك إذنا لتنزل إلى الدنيا بروحك الأصيلة و صعلوكيتك العريقة و تشاركنا الثورة..فالصعلوك لا يقر و لا يثبت في مكان..شاهدت روحك الفتية الساخرة في كل مكان من أرض مصر..في الميدان.. كان محمود السعدني هناك..يحدف الطوب، يشترك في الدفاع عن ثورة الشعب، يسخر من الحكومة..و أنا متأكد أنه لو كان السعدني هناك بجسده لانضم البلطجية إلى الثوار من فورهم، فما من أحد مثل السعدني يستطيع النفاذ إلى قلوب البسطاء و الغلابة..شاهدت السعدني في الميدان..رأيته في اللافتات التي حملت تعليقات لاذعة حتى شككت أنه كتبها بيده..أكاد أسمع ضحكاته و أرى وجهه في كل الوجوه..أشعر بروحه في مكان ما..هناك وسط الثوار..يسخر من النظام و يبكي فرحة الشعب..
فطوبى للسعدني و طوبة لمن لم يفهم، على طريقة عميد الساخرين و الصعاليك محمود السعدنيالثلاثاء، 5 أبريل 2011
الحزب التنويري العربي الإسلامي الديموقراطي التقدمي
بيان إلى الشعب
أيها الشعب العظيم الحر الأبي. أيها الشعب المكافح المناضل الأصيل العربي. الشعب الذي ضحى و مازال يضحي بالغالي و النفيس من أجل العزة و الكرامة و الحرية و الديموقراطية فقام ثائرا ضد الظلم و الطغيان في أرجاء الوطن العربي الكبير و حقق بثورته نجاحات فاقت كل التوقعات. و لمعرفتنا بالسياسة في العالم العربي و أن لكل ثورة هناك ثورة مضادة تحاول القضاء عليها، نعلن على رؤوس الأشهاد قيام الحزب التنويري العربي الإسلامي الديموقراطي التقدمي لنواصل النضال في سبيل تحقيق الحياة الكريمة التي ينشدها كل مواطن عربي. و الحزب يتكون من كوادر وطنية حقيقية من شتى المجالات. و استباقا لأي هجوم سيشنه علينا أتباع الأنظمة و بعض المغرر بهم نعلن من هنا أن بعض كوادر الحزب ممن عمل في الحكومات العربية و ترأسها و هذا لا يعيبهم بقدر ما يثري خبرتهم. لذا لن نقبل من أي أحد أن يزايد علينا و يتهمنا بركوب الثورة و محاولة الاستفادة الشخصية من مكاسبها فنحن و لله الحمد لسنا طالبي سلطة أو مال فكلنا إما مسؤول سابق أو رجل أعمال حالي، "يعني بالبلدي كدا شبعانين".
و نعلن في هذا البيان الأول فلسفة الحزب و أهدافه من باب الشفافية و كي لا يلتبس الأمر على العامة من أبناء أمتنا و إحقاقا للحق و إبطالا للباطل و كي نقطع الطريق على كل من تسول له نفسه المساس بأمن و أمان و كرامة الشعوب. و كي نفوت الفرصة على أعداء هذه الأمة من عملاء و خونة و لصوص و دول غربية تريد الهيمنة على الوطن و المواطن، كان لزاما علينا نشر مبادئنا التي هي في حقيقتها مبادئكم أيها الشعب العظيم.
تتلخص مبادئ حزبنا الميمون في فلسفة التنوير. تنوير الشعب العربي كاملا حتى يشع من نوره نور، و فلسفتنا لا علاقة لها بعصر التنوير الفرنسي لأن فلسفتنا عربية أصيلة لا شرقية و لا غربية. لذا و بعد دراسة التاريخ الذي لا يكذب و لكنه يتجمل دراسة مستفيضة و تحليل الظروف الموضوعية الاقتصادية السياسية و الاجتماعية لواقع المواطن العربي المعاصر توصلنا إلى هذه الفلسفة العظيمة التي ستمكن الشعب العربي من المضي قدما نحو الدولة المدنية بتواز مع الثوابت و الخصوصيات بما يحقق التوازن و الاستقرار الذي يؤدي بالضرورة إلى الازدهار و الانتقال إلى مصاف العالم الأول في نقلة نوعية ممتدة نحو الأفق اللازم تواجده بحسب أغلب النظريات العلمية و الفلسفية التي ثبت نجاحها و التي سيتم العمل بها على نحو مدروس بصرف النظر عن الأيدولوجيات المؤثرة في شعوب المنطقة مع الأخذ بعين الاعتبار الحالة العامة الاستاتيكية لأنماط التفكير دون إغفال تأثير العولمة على الإنتاج الثقافي العالمي. و بنظرة موضوعية على الأجواء المحيطة تتلخص سياسة التنوير في أن كل شيء هو كل شيء كما قال المفكر الكبير كوروبك. و نؤكد لأبناء الشعب العربي أن هذه الفلسفة التي تبلورت في سنين عديدة قضاها مفكرو الحزب في التفكير و التدبير و التمحيص هي الطريق الوحيد للخلاص. و حتى يطمئن الجميع نعلن أن مصادر تمويلنا حلال في حلال لا تشوبها شائبة و سنفصل في بيان لاحق هذه المصادر و ذلك لتعقيدها و تداخلاتها مع نظريات اقتصادية يستعصي فهمها على رجل الشارع الذي قام الحزب من أجله و في سبيله معه و حوله و عليه.
نعلم أن لغة البيان قد تستعصي على العامة و المفاهيم الثورية العميقة التي تغلف هذا البيان قد يصعب على العامة ممن يراد لهم أن يتأثروا إيجابيا و كيانيا بهذا الفكر النير فهمها. لذا و من هذا المنطلق ندعوا أبناء الشعب العربي لترك هذه المسؤولية الجسيمة لنا و نعدهم أننا على الدرب سائرون و إلى الطريق واصلون و نحو المستقبل العربي الزاهر متوجهون. و لن نرضخ أو نستسلم لقوى الشر المحيطة بنا من كل جانب و سنواصل المعركة الثورية الحتمية لآخر طلقة و آخر روح و آخر فكرة في جوف آخر عقل من أجل الرخاء و الارتخاء و نعلن من هنا أنه لا تهاون أمام كل فاسد و حاسد و حاقد على هذا الوطن المعطاء و هذا الشعب النير المستنير. و كما قال الشاعر معظم النار من مستصغر الشرر....
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...
الأحد الخامس من شهر كانون الأول..من مقر الحزب التنويري العربي الإسلامي الديموقراطي التقدمي في جادة الشانزليزيه..باريس..
السبت، 2 أبريل 2011
متلازمة "الخصوصية"
مؤمن بشدة بأن الشعوب الحرة التي تتقدم دائما بخطى واثقة نحو الازدهار و الحرية و العيش الكريم إنما تفعل ذلك لأنها تنقد ذاتها باستمرار. تنقد ذاتها نقدا قاسيا حقيقيا و تعري شخصيتها ناقدة أمراضها النفسية بصدق يمكنها من رؤية واقعها رؤية حقيقية مهما كان هذا الواقع مؤلما. نقد الذات يلزمه التزام راهب، و رؤية عالم، و تصميم ثائر. الطريق طويل و وعر تحيط به من كل اتجاه عقبات النفس البشرية و ميلها للتدليس و قلب الحقائق و لوم الآخر ، إلا أن الشعوب التي تعي أهمية نقد الذات تسير في هذا الطريق بثبات لأنه طريق حتمي للتقدم و الازدهار. في المقابل، نحن نبرع كثيرا في السير في طريق مواز لكنه ذو اتجاه خاطئ؛ يسمى جلد الذات و هو مختلف تماما عن نقد الذات و يؤدي لنتائج كارثية على الأغلب.
لذالك و بناءا على ما سبق سأحاول نقد أحد أهم الأمراض التي تعتري الشخصية السعودية المجتمعية و هي متلازمة الخصوصية. الخصوصية في حقيقتها امتداد لنظرية شعب الله المختار اليهودية الصنع سعودية التطبيق حاليا. الخصوصية هذه من أهم أسباب التأخر الذي نعاني منه على كافة الأصعدة، ثقافيا، سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا،...الخ..الخصوصية هي المبرر الأول و الشماعة التي نعلق عليها تأخرنا و نبرره، فباسم الخصوصية نمارس شتى أنواع الاضطهاد على المرأة السعودية. نمنعها من ممارسة حقوقها و مواطنتها و نحرم المجتمع من إسهاماتها و نلغي عقلها لأنها جوهرة مكنونة و لأننا شعب له خصوصيته. مجتمعنا يعاني من تفشي العنصرية بكل أشكالها؛ عنصرية القبيلة، عنصرية الفكر، عنصرية المذهب، عنصرية اللون، عنصرية المنطقة و غيرها. و إذا حاولت نقد هذه العنصريات المقيتة ينفى وجودها في البداية، و حتى إذا تمكنت من إقناعهم بوجودها قيل لك نحن شعب له خصوصية.
الشخصية السعودية في حقيقتها شخصية مركبة مؤلفة من عدة متناقضات، في العمل شخصية تختلف عن شخصية المنزل و تتناقض تماما و كليا مع شخصية الأصدقاء. و لكل شخصية من هذه الشخصيات فكر مختلف تماما مع أنها كلها تنتمي لذات واحدة. لم أجد لهذه السمة العجيبة سببا غير الخصوصية العجيبة التي تمنع الإنسان أن يكون نفسه في كل الأحوال. بسبب متلازمة الخصوصية أصيب الإنسان السعودي بانفصام حاد في الشخصية يمكن ملاحظته بسهولة إذا ناقشت أحدهم في موضوع واحد في محيطين مختلفين. بسبب هذه الخصوصية المقيتة شوه الفكر و العقل ببشاعة لا تضاهى مما يقوض أي محاولة لأي نوع من أنواع الإبداع..
فباسم هذه الخصوصية اللعينة يضع التعليم على عقول الطلبة غشاوة ليخرجوا لنا بأدمغة خالية من أي فكر حر ناقد. باسم هذه الخصوصية و شقيقتها "الثوابت" يقرع أي حراك فكري ثقافي يهدف لنقد بناء يعين على استقراء المستقبل. فإن طالبت بديموقراطية و دولة مؤسسات مدنية قيل لك الديموقراطية لا تصلح لنا فنحن شعب له خصوصية. إذا رغبت بصحافة حرة ذات هامش واسع من الحرية قيل لك الحرية لا تناسبنا فنحن شعب له خصوصية. يا لهذه الخصوصية البغيضة تكبل الفكر و تحبس الروح خلف قضبان من التخلف و الإقصاء في عتمة من الجهل و تظل تنخر فيها حتى تذبل و تتلاشى. هذه الخصوصية البغيضة تصور لنا أنفسنا بأننا شعب الله المختار، الشعب الوحيد على وجه البسيطة الذي حاز الحقيقة و احتكر كينونتها بينما في الحقيقة أصبحنا الشعب الوحيد الذي يرفض الحرية، يرفض الفكر، و يزدري العقل. حقا نحن شعب له خصوصية..
الثلاثاء، 15 مارس 2011
لا تزايد
قلت أريد حرية و كرامة، قالوا لا تزايد. قلت أريد وطنا يسمعني، قالوا لا تزايد. قلت أريد وطنا يسعني بتناقضات عقلي و اضطرابات أفكاري. أريد وطننا أكون فيه سيدا، قالوا انتهى عهد الرق و النخاسة.قلت، لكن العبيد موجودون و السادة هم لا يزالون السادة. و الظلم على الأنفس جاثم يخنق الروح يقتل فيها جذوة التمرد على أنفس أحادية النمط. قلت أنا مثلكم لكني مختلف، قالوا لا مكان بيننا للمختلفين فقد خلقنا الله لنكون شخصا واحدا. قلت فما يميزنا عن الأنعام إذا؟ أليست كل الأغنام متشابهات فليس هناك فرق بين هذه و تلك؟
قالوا هكذا أريد لنا أن نكون و هكذا نحن صائرون. دع عنك زوائد فلسفة لست أهلا لها و اترك لمن هم بالشؤون أخبر أمر التفكير و التدبير و عش كما يعيش الناس فليس للعوام من الرعاع و الغوغاء أن يفكروا و يقرروا و إلا لفسد أمر البلاد و العباد. قلت و لكن أمر البلاد قد فسد و حال الناس قد رق، و قلوب العباد أصابها وهن و خواء. قالوا هذا غضب من الله و لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. قلت هذا هو ما أفعله أغير ما بنفسي حتى يغير الله حالي و حالكم. قالوا لا تزايد نحن في نعمة من الأمن و الأمان عسى الله ألا يغير علينا، اللهم حوالينا و لا علينا. قلت ما هذا التناقض؟ قالوا لا تزايد.
قالوا هناك مؤامرات خارجية يقودها المفسدون و المغرضون الضالون المضلون و يقع في براثن أفكارهم الهدامة من كان بهم خرق ممن غرر بهم مثلك. قلت ما أردت إلا كرامة و حرية و وطنا يسمعني. قالوا لا تزايد. قلت أريد أن أصدح بالقول فيسمعني كل أحد، قالوا و من أنت حتى تقول و يسمعك أي أحد؟
قلت أنا مواطن. قالوا و نحن كذلك مواطنون لكننا مخلصون لا تتحكم بنا أجندات خارجية. قلت لكني لست مثلكم أنتم كلكم مواطن واحد و أنا كل المواطنين. أنا سني و شيعي و بدوي و عربي و أفريقي و تركي و آسيوي. أنا كل هؤلاء و أكثر.أنتم عنصرييون اختزلتم الوطن في شخصية نمطية مقيتة مكررة بينما الوطن أجمل و أغزر و أعمق من ذلك. قالوا أنت حاقد و حاسد على هذا الوطن المعطاء و ما من الله على مواطنيه من اتساق الفكر و تطابق المنهج. أعماك الحقد و الحسد و امتلئ جوفك بنزق الحمقى فنسيت أن تشكر المولى على ما أنعم عليك به من أمن و أمان و رخاء في ظل من يخاف الله و يخدم أمة الإسلام.
قلت فما الأمن و الأمان إن غابت كرامة الإنسان. أهو أمن و أمان إذا أحنيت ناصيتي و ويل و ثبور إن نطق لساني بكلمة رأي؟ قالوا لا تزايد. قلت سأزايد و أزايد و أزايد حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا...
ومضة:
لا تسقني ماء الحياةِ بذلّةٍ .. بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل ـ عنترة بن شدّاد
ننتظر تجربة أثرى وأعمق من مجرد رحلة للشقيري
حضاريا تعتبر التجربة اليابانية من التجارب الرائدة والمثيرة للاهتمام في شتى مجالات الحضارة، وخصوصيتها تكمن في قدرة الحضارة اليابانية على تجاوز محنتها واستمرارها في مسيرتها النهضوية حتى أصبحت الأمة اليابانية من أكثر الأمم تقدما. مع العلم أنها واجهت صعوبات وتخطت عقبات شديدة الوعورة في سبيل مشروع نهضتها من هزيمة عسكرية وقنابل نووية إلى احتلال لأراضيها.
وقد قام العديد من الباحثين والمفكرين والمهتمين بالمشاريع النهضوية للأمم بدراسة التجربة اليابانية من شتى النواحي، لاكتشاف العوامل التي ساعدت الأمة اليابانية على الوصول للمكانة التي تتبوؤها الآن، وآخرهم أحمد الشقيري الذي حاول دراسة سلوكيات وقيم الفرد الياباني ومقارنتها مع سلوكيات وقيم الفرد العربي لبيان نوع التأثير الممكن للفرد أن يقوم به في نهضة أمته، وكفكرة هي جيدة جدا وتستحق الدراسة.
اختيار أحمد الشقيري لليابان كشعب وحضارة ليكونا أساسا لبحثه ذكاء يحسب له، فالأمة العربية تمر بظروف مشابهة نوعا ما لظروف اليابان إبان الحرب العالمية الثانية من احتلال وهيمنة لثقافة بعيدة عن الثقافة الأم. وبما أن اليابانيين تمكنوا من التخلص من كل هذه المعوقات المعيقة لمشروعها النهضوي وذلك بتداخل عدة عوامل أهمها إيمان الفرد الياباني بأهمية العمل والاضطلاع بدوره وواجبه تجاه هذا المشروع القومي، فإن عمل مقارنة بين الفرد الياباني والفرد العربي سيؤدي بلا شك إلى اكتشاف السلوكيات والقيم التي ساعدت الفرد الياباني على القيام بدور فاعل في نهضة أمته ومحاولة تفعيل وخلق سلوكيات وقيم متماثلة عند الفرد العربي حتى يؤدي دوره في نهضة أمته.
هذا من حيث الفكرة أما من حيث التنفيذ فقد خذل الشقيري العديد من المتلقين رغم صدق النية ووضوح الفكرة. فالمتابع لتجربة الشقيري اليابانية سيلاحظ السطحية في الطرح وغياب الموضوعية العلمية في مقارنات الشقيري مما أدى إلى إضعاف الفكرة وتشتيت المتلقي، فتعليقات ومقارنات الشقيري أقرب إلى تعليقات ومقارنات سائح منها إلى باحث أو مفكر أو داعية. حاول أحمد الشقيري دراسة المجتمع الياباني عن طريق الاحتكاك المباشر والملاحظة للسلوكيات العامة للشعب الياباني في الحياة اليومية، إلا أن احتكاك الشقيري باليابانيين لم يكن ذا عمق ومعظم ملاحظاته كانت أقرب إلى السطحية، ويعزى ذلك إلى قلة خبرته بهذا النوع من الدراسة والبحث والتي كان بإمكانه تجاوزها لو وسع من دائرة وشرائح الناس الذين قابلهم بدلا من التجول في المول أو القيام برحلات سياحية لا تؤدي الغرض من البحث ولا تمنحه العمق اللازم للخروج بنتائج ذات قيمة.
كما أنه يعاب على الشقيري أسلوبه في طرح أفكاره وملاحظاته والذي اتسم بالمبالغة الشديدة والانبهار الأشد المتوقع من سائح وليس من باحث ذهب إلى اليابان بغرض دراسة جانب من جوانب المشروع النهضوي الياباني، إضافة إلى نبرة الاستهزاء والاستخفاف عند عمل مقارناته بين الفردين العربي والياباني.
تجربة الشقيري اليابانية تسلط الضوء على موضوع حيوي وهام ولكنه نصف ضوء، ويجيب على تساؤلات عديدة و لكنها نصف إجابة، أتمنى من الشقيري أن يتقبل الملاحظات ويتحفنا في العام المقبل بتجربة أثرى وأعمق وأكثر من مجرد رحلة.
وقد قام العديد من الباحثين والمفكرين والمهتمين بالمشاريع النهضوية للأمم بدراسة التجربة اليابانية من شتى النواحي، لاكتشاف العوامل التي ساعدت الأمة اليابانية على الوصول للمكانة التي تتبوؤها الآن، وآخرهم أحمد الشقيري الذي حاول دراسة سلوكيات وقيم الفرد الياباني ومقارنتها مع سلوكيات وقيم الفرد العربي لبيان نوع التأثير الممكن للفرد أن يقوم به في نهضة أمته، وكفكرة هي جيدة جدا وتستحق الدراسة.
اختيار أحمد الشقيري لليابان كشعب وحضارة ليكونا أساسا لبحثه ذكاء يحسب له، فالأمة العربية تمر بظروف مشابهة نوعا ما لظروف اليابان إبان الحرب العالمية الثانية من احتلال وهيمنة لثقافة بعيدة عن الثقافة الأم. وبما أن اليابانيين تمكنوا من التخلص من كل هذه المعوقات المعيقة لمشروعها النهضوي وذلك بتداخل عدة عوامل أهمها إيمان الفرد الياباني بأهمية العمل والاضطلاع بدوره وواجبه تجاه هذا المشروع القومي، فإن عمل مقارنة بين الفرد الياباني والفرد العربي سيؤدي بلا شك إلى اكتشاف السلوكيات والقيم التي ساعدت الفرد الياباني على القيام بدور فاعل في نهضة أمته ومحاولة تفعيل وخلق سلوكيات وقيم متماثلة عند الفرد العربي حتى يؤدي دوره في نهضة أمته.
هذا من حيث الفكرة أما من حيث التنفيذ فقد خذل الشقيري العديد من المتلقين رغم صدق النية ووضوح الفكرة. فالمتابع لتجربة الشقيري اليابانية سيلاحظ السطحية في الطرح وغياب الموضوعية العلمية في مقارنات الشقيري مما أدى إلى إضعاف الفكرة وتشتيت المتلقي، فتعليقات ومقارنات الشقيري أقرب إلى تعليقات ومقارنات سائح منها إلى باحث أو مفكر أو داعية. حاول أحمد الشقيري دراسة المجتمع الياباني عن طريق الاحتكاك المباشر والملاحظة للسلوكيات العامة للشعب الياباني في الحياة اليومية، إلا أن احتكاك الشقيري باليابانيين لم يكن ذا عمق ومعظم ملاحظاته كانت أقرب إلى السطحية، ويعزى ذلك إلى قلة خبرته بهذا النوع من الدراسة والبحث والتي كان بإمكانه تجاوزها لو وسع من دائرة وشرائح الناس الذين قابلهم بدلا من التجول في المول أو القيام برحلات سياحية لا تؤدي الغرض من البحث ولا تمنحه العمق اللازم للخروج بنتائج ذات قيمة.
كما أنه يعاب على الشقيري أسلوبه في طرح أفكاره وملاحظاته والذي اتسم بالمبالغة الشديدة والانبهار الأشد المتوقع من سائح وليس من باحث ذهب إلى اليابان بغرض دراسة جانب من جوانب المشروع النهضوي الياباني، إضافة إلى نبرة الاستهزاء والاستخفاف عند عمل مقارناته بين الفردين العربي والياباني.
تجربة الشقيري اليابانية تسلط الضوء على موضوع حيوي وهام ولكنه نصف ضوء، ويجيب على تساؤلات عديدة و لكنها نصف إجابة، أتمنى من الشقيري أن يتقبل الملاحظات ويتحفنا في العام المقبل بتجربة أثرى وأعمق وأكثر من مجرد رحلة.
الحكواتية
تواجد الحكواتية في الوطن العربي منذ قديم الزمان. كانوا يتوسطون المقاهي و مجالس الوجهاء يتأبطون كتبا و أحيانا يتأبطون خيالهم يروون منه قصص أبو زيد الهلالي و يحكون بطولات عنترة و غراميات قيس بن الملوح، و ينسجون عوالم من خيال يسرح فيها السامعون فيتمايلون طربا لشعر قيس و يصرخون حماسة لبطولات عنترة و ينصتون في شجن لتغريبة الهلالي. ثم ينفض المجلس و يقنع الحكواتي بما تجود به أنفس رواد المقهى من قروش قليلة يستعين بها على شظف العيش. لكن مع التطور الهائل الذي حل على الدنيا و العولمة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة تغير كل شئ. فتحول عنترة إلى فيلم سينيمائي، وانتهى أبو زيد الهلالي إلى مسلسل من عدة أجزاء، فكان لزاما على الحكواتي أن يتطور و ينفض عن نفسه غبار الزمان و قد كان.
تحول الحكواتي من شخص غلبان و مطهوم يطوف المقاهي و مجالس الأغنياء ليجني لقمة عيشه إلى صاحب قناة فضائية يخاطب الجيل الجديد يحكي لهم قصصا و يسرد أحداثا ما أنزل الله بها من سلطان ينسبها لشخصيات تاريخية دون حسيب أو رقيب، و يفتي في شتى مسائل الحياة ففي الشعر هو شاعر أعظم من المتنبي رغم أنف الشعراء، و في الفكر له مؤلفات و كتب، و في الاقتصاد ينظر، و في السياسة يحلل و يتنبأ. و الويل و الثبور و عظائم الأمور لمن ينتقد أو يعارض. سيتهم حتما بالزندقة و الهرطقة و قلة المروة و ما هو أعظم من ذلك.
و ستهب الجموع تدافع عن الحكواتي الجليل ضد شياطين الإنس العابثة. سبحان مغير الأحوال، أصبح الحكواتي في هذا الزمان يدعى إلى الصروح الجامعية ليلقي خطبا و يوجه الناس إلى حسن السواء، و الناس يتدافعون لسماع رأي الحكواتي في مسألة لا ناقة له فيها و لا بعير. أصبحت له اليد الطولى على كل شئ، فلا تقام ندوة إلا إذا شرفها بحضوره و مسح عليها من بركته. و لا يفتتح صرح علمي إلا إذا أفاد جنابه بصلاح الأمر و لا تكتشف نظرية علمية و تعتمد إلا إذا بصم بعدم تعارضها مع الثوابت و الخصوصيات.
ومع هذه القفزة الهائلة و المكانة الاجتماعية الجديدة أصبح لزاما على الحكواتي أن يغير شكله و مظهره بل ومسمى مهنته. أصبح الآن يرتدي بدل أفرنجي من أغلى الماركات، أو بشتا مقصبا وكأنه وزير الدولة.أصبح يسمى بصاحب الفضيلة، أو سعادة الأستاذ الدكتور العلامة المفكر شهبندر التجار حكيم الزمان سيد هذا العصر و الأوان. إلا أنه و على الرغم من كل هذه المتغيرات يدرك في قرارة نفسه أنه لم يتبوء هذه المكانة إلا بسبب الأوضاع المقلوبة و أنه في نهاية الأمر ليس إلا..مجرد.. حكواتي
الثامن و العشرين من سبتمبر
اليوم يكون قد مر تسعة و ثلاثون عاما على وفاة الزعيم جمال عبدالناصر، و أنا هنا لست بصدد فتح نقاش عن الاشتراكية و القومية العربية، الديموقراطية، الصراعات، المعارك، التأميم، الفعل و رد الفعل، الانتصارات و الهزائم و كل ما إلى ذلك. ببساطة كل ما أريد فعله هو أن أرثي الرجل العربي الأصيل جمال عبدالناصر في ذكرى موته. مواطن عربي بدرجة زعيم عاش ومات مخلصا لعروبته محاولا بصدق أن يحقق آمال شعبه. عاش زمنا قصيرا كالحلم لكن تأثيره باق في وجدان كل العرب بكل أطيافهم و مشاربهم، الذين أحبوه حبا كالعبادة و الذين كرهوا حتى تقاطيع وجهه.
قد يختلف البعض معه و عليه و حوله، إلا أن الجميع يتفقون أنه كان رجلا. عبد الناصر هو رجولتنا. نعم رجولتنا العربية الصرفة بكل ما فيها من شموخ و كبرياء و عزة و نخوة و كرامة و عصبية و صلف وشرف و عنفوان. عبدالناصر يمثل رجولتنا التي كرهها الغرب و احترمها في نفس الوقت، و فرح لموتها و أنصفها بأراشيفه و مذكرات زعمائه. تحدث لنا، خاطب وجداننا، تحدث إلى عيوبنا دون مواربة. أخطأ و حمل نفسه الخطأ قبل أن نلومه فسامحناه، بكينا فراقه لأننا بموته انتقلنا إلى مرحلة الشيخوخة و فقدان الذاكرة فأصبح العدو أخا و الشقيق عدوا.
ما زالت أفكاره تحارب إلى الآن، لأن هناك من يريد للشموخ الذي ولى و العنفوان الذي كان أن يصبح قصصا كقصص عنترة و أبو زيد الهلالي نرويها في مجالسنا حول أنفاس الشيشة، مجرد أساطير كالعنقاء و الخل الوفي، مستحيلا لا يمكن رؤيته و لا تخيله في المفهوم الواقعي الجديد..مجرد ذكرى نذكرها في هذا الوقت من العام ثم نعود إلى حيواتنا نلعن كل شئ و ننتظر أن يبعث من أصلاب هذه الأمة زعيم جديد يقودنا نحو الخلاص. نحن لسنا بحاجة إلى ناصر جديد فنزحف خلفه، نحن بحاجة لاستنهاض الهمم و استكمال المسيرة و لكن بخطى عصرية...
رحمك الله يا جمال عبدالناصر
قد يختلف البعض معه و عليه و حوله، إلا أن الجميع يتفقون أنه كان رجلا. عبد الناصر هو رجولتنا. نعم رجولتنا العربية الصرفة بكل ما فيها من شموخ و كبرياء و عزة و نخوة و كرامة و عصبية و صلف وشرف و عنفوان. عبدالناصر يمثل رجولتنا التي كرهها الغرب و احترمها في نفس الوقت، و فرح لموتها و أنصفها بأراشيفه و مذكرات زعمائه. تحدث لنا، خاطب وجداننا، تحدث إلى عيوبنا دون مواربة. أخطأ و حمل نفسه الخطأ قبل أن نلومه فسامحناه، بكينا فراقه لأننا بموته انتقلنا إلى مرحلة الشيخوخة و فقدان الذاكرة فأصبح العدو أخا و الشقيق عدوا.
ما زالت أفكاره تحارب إلى الآن، لأن هناك من يريد للشموخ الذي ولى و العنفوان الذي كان أن يصبح قصصا كقصص عنترة و أبو زيد الهلالي نرويها في مجالسنا حول أنفاس الشيشة، مجرد أساطير كالعنقاء و الخل الوفي، مستحيلا لا يمكن رؤيته و لا تخيله في المفهوم الواقعي الجديد..مجرد ذكرى نذكرها في هذا الوقت من العام ثم نعود إلى حيواتنا نلعن كل شئ و ننتظر أن يبعث من أصلاب هذه الأمة زعيم جديد يقودنا نحو الخلاص. نحن لسنا بحاجة إلى ناصر جديد فنزحف خلفه، نحن بحاجة لاستنهاض الهمم و استكمال المسيرة و لكن بخطى عصرية...
رحمك الله يا جمال عبدالناصر
الأغنية الحجازية إلى أين؟
من بين أزقة الحارات القديمة و من على رؤوس مشربيات البيوت العتيقة أطلت المفردة الحجازية الأصيلة معجونة بعبق التاريخ القديم. بصورتها البهية، بسلاستها و خفة ظلها، بشجنها و عذوبة لحنها حاملة بين ثناياها عبقا ممزوجا بمختلف الأعراق و الثقافات بتناغم نادر و نكهة أصيلة تتلقفها الآذان بشوق و لهفة، و يطرب لها القلب في شجن.عبقرية هذه المفردة الجميلة تكمن في أنها سهلة الوصول إلى القلب كما أنها تحمل في طياتها شجنا جميلا و حزنا دفينا يجعلها من أجمل ما تعبر به النفس عما يخالجها. و لما كان الشعر عند العرب من أجدى وسائل التعبير كانت المفردة الحجازية عروسه، فأضفت بخفتها و رونقها على الشعر جمالا ما بعده جمال.
كتب العديد من أبناء الحجاز أبياتا و قصائد مستخدمين لهجهتهم الحجازية فكانت أبياتهم من جنس بيئتهم، التقطوها من أفواه الناس فوصلت إلى قلوبهم مباشرة، تحدثت إليها، عبرت عنها و انتزعت آهاتها. و قد تغنى بها العديد من رواد الغناء الأوائل في الحجاز فكان أجمل إنتاجهم و أغزره. لكن مع الأسف، نلاحظ في الزمن الحالي اندثار المفردة الحجازية و اختفائها التام من قاموسنا الغنائي، و هي التي كانت سائدة قبل ثلاثين عاما أو يزيد. هل انحسرت الأصالة عن المفردة الحجازية؟ هل فقدت رونقها و جاذبيتها و سحرها الأزلي؟
لم تفقد المفردة الحجازية شيئا من ذلك، إنما كانت هناك ظروف و أحداث و متغيرات متواكبة كان لها الأثر الأكبر في اختفاء المفردة الحجازية من قاموسنا الغنائي. لعل من أبرز هذه المتغيرات وفاة العديد من الرواد الذين أسسو لهذا اللون الحجازي من حيث النص و اللحن، و لهث الجيل الجديد نحو مفردة بيضاء خالية الدسم لمواكبة بروز الأغنية الخليجية و هيمنتها على الساحة. و لا ننسى التغيير الكبير في ثقافة و ذوق المتلقي الناجم عن تطور المشهد الغنائي بشكل عام و تحول الأغنية من فن إلى صناعة و تجارة جامدة لا تعترف إلا بالعائد المادي. فظهرت شركات إنتاج ضخمة بألاتها الإعلامية الهائلة لتتحكم بالذوق العام بنصوص مدعومة و تمكنت من إرساء قواعد متينة لفن غنائي جديد ما عاد فيه مكان للمفردة الحجازية ببساطتها و صفائها و شعبيتها. فالشعر الغنائي الحجازي كان يكتبه أناس بسطاء من عامة الناس ليس لديهم القدرة على دعم نصوصهم.
فحتى تعود الأغنية إلى بساطتها القديمة، و تعود لتعبر عما في خاطر الناس أو تقوم إحدى شركات الانتاج بعمل دراسة جدوى يتضح من خلالها أن الأغنية الحجازية قد تحقق أرباحا مجزية، ستبقى المفردة الحجازية حبيسة الأزقة القديمة ساكنة في قلوب أهلها محتفظة بنقائها و بساطتها و نكهتها
كتب العديد من أبناء الحجاز أبياتا و قصائد مستخدمين لهجهتهم الحجازية فكانت أبياتهم من جنس بيئتهم، التقطوها من أفواه الناس فوصلت إلى قلوبهم مباشرة، تحدثت إليها، عبرت عنها و انتزعت آهاتها. و قد تغنى بها العديد من رواد الغناء الأوائل في الحجاز فكان أجمل إنتاجهم و أغزره. لكن مع الأسف، نلاحظ في الزمن الحالي اندثار المفردة الحجازية و اختفائها التام من قاموسنا الغنائي، و هي التي كانت سائدة قبل ثلاثين عاما أو يزيد. هل انحسرت الأصالة عن المفردة الحجازية؟ هل فقدت رونقها و جاذبيتها و سحرها الأزلي؟
لم تفقد المفردة الحجازية شيئا من ذلك، إنما كانت هناك ظروف و أحداث و متغيرات متواكبة كان لها الأثر الأكبر في اختفاء المفردة الحجازية من قاموسنا الغنائي. لعل من أبرز هذه المتغيرات وفاة العديد من الرواد الذين أسسو لهذا اللون الحجازي من حيث النص و اللحن، و لهث الجيل الجديد نحو مفردة بيضاء خالية الدسم لمواكبة بروز الأغنية الخليجية و هيمنتها على الساحة. و لا ننسى التغيير الكبير في ثقافة و ذوق المتلقي الناجم عن تطور المشهد الغنائي بشكل عام و تحول الأغنية من فن إلى صناعة و تجارة جامدة لا تعترف إلا بالعائد المادي. فظهرت شركات إنتاج ضخمة بألاتها الإعلامية الهائلة لتتحكم بالذوق العام بنصوص مدعومة و تمكنت من إرساء قواعد متينة لفن غنائي جديد ما عاد فيه مكان للمفردة الحجازية ببساطتها و صفائها و شعبيتها. فالشعر الغنائي الحجازي كان يكتبه أناس بسطاء من عامة الناس ليس لديهم القدرة على دعم نصوصهم.
فحتى تعود الأغنية إلى بساطتها القديمة، و تعود لتعبر عما في خاطر الناس أو تقوم إحدى شركات الانتاج بعمل دراسة جدوى يتضح من خلالها أن الأغنية الحجازية قد تحقق أرباحا مجزية، ستبقى المفردة الحجازية حبيسة الأزقة القديمة ساكنة في قلوب أهلها محتفظة بنقائها و بساطتها و نكهتها
الصحوية و الليبرالية والتيار العفوي الجديد
بحكم قراءاتي المتعددة و خبرتي في ميادين الفكر و الثقافة الناتجة عن متابعة الصحف اليومية و البرامج التلفزيونية لمدة أسبوع لا أكثر،أصبحت مفكرا لا يشق لفكره غبار و مثقفا معتدا بنفسه يكتب كلاما لا يفهمه أحد، فكان لا بد أن أشارك في الصراع الفكري و المعارك الثقافية التي تدور رحاها في المجتمع السعودي الآن بين التيار الصحوي و التيار الليبرالي و إن كنت لا أنتمي لأي منهما. و كي أكون عنصرا فاعلا في هذا الحراك لا بد أن أعرف ما هو الشئ الذي يدور الصراع حوله؟
و بعد تحليل الموقف بإمكاني القول أن الصراع يدور حولنا نحن كمجتمع. نحن الفريسة التي يتصارع عليها أسود الصحوة و مشاعل التنوير الليبرالية. كلى التيارين يحمل مشروعا و كل تيار يزعم أن مشروعه وحده هو القادر على انتشال المجتمع من ظلمات الجهل و الفقر و التخلف إلى أنوار التقدم و التطور المدني أو العودة بالمجتمع إلى جادة الصواب و القضاء على مظاهر الانحلال الفكري و الأخلاقي، و أن المشروع المقابل ما هو إلا مشروع إقصائي فاشل يحاول الهيمنة على الوطن و المواطن حاملا في طياته بذور التخلف و الجهل. يستمر هذا الصراع بينما نقف منه نحن كمجتمع موقف المتفرج الذي لا يعي ما يدور حوله و لا يدرك أن الصراع معه و حوله و عليه و بسببه.
نتابع فصول الصراع و حدة النقاش و نسمع مصطلحات تلقى علينا من هنا و هناك و لا ندرك لها معنى، فنقف عندها و نهز رؤوسنا على طريقة العارف ببواطن الأمور. نسمع عن التنوير و عصور الظلام و النهضة الحداثية الأوروبية و نيتشة و سقراط و العلمانية و العولمة و حقوق المرأة، فتدور بنا الدنيا و نصاب بالصداع و ما أن نستفيق من هول الصدمة إلا و تعاجلنا مصطلحات سد الذرائع، الزندقة، الهرطقة، الغفلة، الوسطية، الصحوة، التغريب، و الخطاب المؤدلج فتطيح بعقولنا من على بروجها إلى الفراغ السحيق، فنحن بين التيارين أشبه بلوح زجاج، ويل له إن وقع على الصخر و ويل له إن وقع الصخر عليه.
و بما أنني مثقف و مفكر عظيم و جدت أن الحل الوحيد هو أن أنشئ تيارا فكريا، نسبة إلى أنه أعياني التفكير، و يكون هذا التيار معبرا عن المجتمع كما هو دون محاولة فرض تجارب ثقافية عليه هي أبعد ما يكون عن ثقافة أفراده، همومهم، و مشاكلهم و لا محاولة اجترار تجربة انفصلت عن الزمن و عن الناس. و سأسمي تياري الجديد التيار العفوي نسبة إلى العفوية و البساطة التي يتسم بها أفراد مجتمعي. و سيكون شعارنا لا للأيديولوجية و الإقصائية لا لشئ إلا أنني لا أعرف ما تعنيه هاتان الكلمتان لذى فالأفضل البعد عنهما. فنحن أناس عفوييون، نحب الكل و نكره الكل هكذا بعفوية، نتابع نشرات الأخبار و نلعن العدو و من يسانده ثم نشجع فرنسا في كأس العالم لأن فيها لاعبا عربي الأصل هكذا بكل عفوية، نشعر بالنفور من المفكرين و و المثقفين الذين يتكلمون بلساننا دون أن نفهم كلمة واحدة من حديثهم الاستراتيجي القاضي بحتمية التنوير الحداثي الموازي لنهضة المجتمعات الإنسانية نحو المدنية، نقدس رجال الدين رغم أنهم ينهروننا لمجرد التفكير و و نستمع بتثاقل لحديثهم المسجع المقفى.. نقف حيارى بين الجميع ثم نعلن سخطنا على الجميع حتى التيار العفوي الجديد...
تائهون على الطريق في أمريكا
طالعتنا الشاشة الأجمل و الأمثل و الأكمل و الأفضل ببرنامج جديد اسمه على الطريق في أمريكا و بينما الهدف المعلن من البرنامج و كما جاء على لسان صانعيه هو إزالة سوء الفهم عند الأمريكيين و نقل الصورة الحقيقية الإيجابية عن العالم العربي, كما سيتم نقل الصورة الإيجابية عن الغرب و تعريف العالم العربي بالإيجابيات لديهم, إلا أن الهدف المخفي لا ينطلي على كل فطين و هو الترويج لفكرة التطبيع مع دولة اسرائيل العربية الشقيقة و أن الإسرائيلييون ما هم إلا بشر مثلنا يضحكون و يحزنون, يأكلون و يشربون, مثلنا تماما. فسبحان الله, معظم من قابله هؤلاء الضائعون على الطريق في أمريكا كان اسرائيليا من سائق التاكسي مرورا بالمزين إلى قائد الهيلوكوبتر فجلوسا عند عائلة يهودية داعمة لإسرائيل فتناول لطعامهم لا مانع, و كأنه لا يوجد في أمريكا إلا الإسرائيلييون. و يا ليتهم قاموا بلقاء البروفيسور اليهودي نورمان فينكلستاين و الذي كرس حياته و محاضراته لمحاربة ظلم الصهاينة و تعرية حقيقتهم البغيضة, إلا أن لقاء كهذا من شأنه أن يفسد الهدف السامي من البرنامج. كما أننا نحن العرب لسنا بحاجة لمن يعرفنا بالثقافة الغربية و إيجابياتها, ما عليك إلا أن تفتح شاشة التلفاز على أي قناة عربية فتشاهد البرامج الغربية و السلوك الغربي و الحياة الغربية و طريقة التفكير الغربية.
كان من الأجدى لصناع القرار في شاشتنا الحبيبة أن يرتبوا لبرنامج على الطريق في العالم العربي و يكون الهدف منه البحث عن العرب المهددين بالانقراض ثقافيا و فكريا و نفسيا بل و فسيولوجيا إن شئت. و لا أعلم كيف سيتم نقل الثقافة العربية و إيجابياتها إلى الأمريكيين, أعن طريق رقص فتيات العرب في صالات القمار مع الراقصات؟ أم عن طريق شرب الكحوليات في البارات و التسنكح مع المتسنكحين في الحفلات الصاخبة؟ و لا مانع من زيارة مغنية روك أمريكية فاشلة لم يسمع بها أحد لتحاور الشابات العربيات و تعطيهم الدرر عن الآخر و تقبل الآخر لترد عليها الماجدة العربية بالقول أنه هناك عرب متحضرون يتذوقون فن الروك و أن هناك مناطق عربية لديها الاستعداد لاستضافة حفل صاخب لهذه المغنية يحضره نخبة المجتمع و الصحافة. و إمعانا في اثبات هذه الحقيقة لا مانع من ان تقوم احدى المشاركات بالغناء على المسرح فتمسك بالمايك و تقفز و تحزق فشر قرد يؤدي رقصة عجين الفلاحة, و بهذا يتم نقل صورة إيجابية عن المرأة العربية فهي لا تقل عن نظيرتها الأمريكية في اللهو و المرح.
البرنامج هذا و باختصار شديد هو محاولة رخيصة للتملص من كل ما هو عربي و التكريس لجيل جديد من العرب الغربيين الذين يتحدثون الانجليزية بطلاقة و لا مانع من حشر كلمة عربية أو اثنتين خلال المحادثة للحفاظ على الهوية, بالإضافة إلى عملية غسيل مخ معتبرة تقضي على البقية الباقية من عروبة و تاريخ و كلام فارغ لا مكان له في العالم الجديد. و لهؤلاء أقول , إنها كمحاولة الفأر أن ينسلخ عن جلده و ينضم إلى عالم القطط و هي محاولة ستبوء بالفشل بكل تأكيد فمهما حاول الفأر أن يتشبه بالقطط سيبقى في نظرها صيدا حلالا تلتم حوله ساعة الغداء, و الأجدى للفأر أن يبتعد عن القطط و يجتهد في حماية نفسه و إلا وجد نفسه لقمة سائغة بين أنياب قط جائع
كان من الأجدى لصناع القرار في شاشتنا الحبيبة أن يرتبوا لبرنامج على الطريق في العالم العربي و يكون الهدف منه البحث عن العرب المهددين بالانقراض ثقافيا و فكريا و نفسيا بل و فسيولوجيا إن شئت. و لا أعلم كيف سيتم نقل الثقافة العربية و إيجابياتها إلى الأمريكيين, أعن طريق رقص فتيات العرب في صالات القمار مع الراقصات؟ أم عن طريق شرب الكحوليات في البارات و التسنكح مع المتسنكحين في الحفلات الصاخبة؟ و لا مانع من زيارة مغنية روك أمريكية فاشلة لم يسمع بها أحد لتحاور الشابات العربيات و تعطيهم الدرر عن الآخر و تقبل الآخر لترد عليها الماجدة العربية بالقول أنه هناك عرب متحضرون يتذوقون فن الروك و أن هناك مناطق عربية لديها الاستعداد لاستضافة حفل صاخب لهذه المغنية يحضره نخبة المجتمع و الصحافة. و إمعانا في اثبات هذه الحقيقة لا مانع من ان تقوم احدى المشاركات بالغناء على المسرح فتمسك بالمايك و تقفز و تحزق فشر قرد يؤدي رقصة عجين الفلاحة, و بهذا يتم نقل صورة إيجابية عن المرأة العربية فهي لا تقل عن نظيرتها الأمريكية في اللهو و المرح.
البرنامج هذا و باختصار شديد هو محاولة رخيصة للتملص من كل ما هو عربي و التكريس لجيل جديد من العرب الغربيين الذين يتحدثون الانجليزية بطلاقة و لا مانع من حشر كلمة عربية أو اثنتين خلال المحادثة للحفاظ على الهوية, بالإضافة إلى عملية غسيل مخ معتبرة تقضي على البقية الباقية من عروبة و تاريخ و كلام فارغ لا مكان له في العالم الجديد. و لهؤلاء أقول , إنها كمحاولة الفأر أن ينسلخ عن جلده و ينضم إلى عالم القطط و هي محاولة ستبوء بالفشل بكل تأكيد فمهما حاول الفأر أن يتشبه بالقطط سيبقى في نظرها صيدا حلالا تلتم حوله ساعة الغداء, و الأجدى للفأر أن يبتعد عن القطط و يجتهد في حماية نفسه و إلا وجد نفسه لقمة سائغة بين أنياب قط جائع
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)