الأحد، 13 أكتوبر، 2013

هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان


حصل الشاعر العبقري أحمد فؤاد نجم على جائزة مؤسسة الأمير كلاوس الهولندية للثقافة و التنمية تقديرا لتأثيره الكبير في عدة أجيال مصرية و عربية. و بهذا يلتحق بمبدعين عرب سبقوه في الحصول على الجائزة كالكاتب المسرحي لينين الرملي، و أيضاً الشاعر الفلسطيني الراحل محمود دوريش والمفكر السوري صادق جلال العظم والرسام السوداني إبراهيم الصلحي.

أسعدني الخبر. و لا أدري لماذا شعرت بالفخر و أنا أقرأ اسم الفاجومي إلى جوار محمود درويش و المبدعين الآخرين الذين حصلوا على الجائزة. و شطحت أكثر لدرجة اعتقادي أن لي مساهمة في ذلك و أن الفاجومي مدين لي شخصيا بالشكر و العرفان. فإن تنكر فسأشنع عليه و أطارده بالإشاعات و أتهمه أنه ارتقى على رقاب الغلابة و صار برجوازيا. كيف لا و أنا أنتمي لأحد هذه الأجيال التي أثر فيها الفاجومي ليس بشعره فقط بل بالحالة "الفاجومية" كلها. و لكن. بقدر ما أسعدني الخبر بقدر ما أثار عندي بعضا من عدم الارتياح. فعمنا أحمد فؤاد نجم لم ينتج أي قصيدة منذ سنين عديدة و هو يكتفي في كل لقاء حواري أو ملتقى ثقافي باجترار قصائده القديمة و التي و الحق يقال لا تزال طازجة و لا يزال عبقها صالحا لزماننا و ربما لأزمنة قادمة. مصدر انزعاجي و عدم ارتياحي هو أنني كنت أتمنى أن أسمع رأيه في الزمن الحاضر بهمومه و أفكاره، بناسه أغنيائه و فقرائه، بقادته و شعوبه، أصدقائه و أعدائه، جبابرته و غلابته. كنت أن أريد أن أسمع رأيه في هذا كله شعرا. فرأي أحمد فؤاد نجم في شعره يختلف عن ما يصرح به  في التلفزيون أحيانا.

في البرامج التليفزيونية التي يديرها مذيعون متخلفون كل همهم البحث في اللطائف و الغرائب، يستضيفون عمنا الفاجومي لا كشاعر فذ و صاحب فكر و شيخ طريقة كما يقولون بل كموضة، كشيء غريب و لطيف و مختلف. يلقون عليه بأتفه الأسئلة منتظرين تعليقا صادما أو "إفيها" يستجلب الضحكات و عمنا أبو النجوم لا يبخل على الجميع و يعطي كلا ما يريد، لكنه و في كل ما يقوله يلتزم بخطه الذي نسجه لنفسه بأن يكون صوت المسحوقين و الغلابة و من هم على باب الكريم. إعلامييون قلائل فهموه فاستخرجوا منه الدرر في حواراتهم معه، أكثريتهم ظلموه و استخفوا بما يمثله و حاوروه كما يحورون فنانا من إياهم. لكن مخرجا اسمه علي شوقي قدمه كما لم يقدمه أحد في برنامج اسمه حواديت أبو النجوم وثق فيه رحلته كاملة من الألف إلى الياء في عمل إعلامي توثيقي حقيقي يتناسب و مساحة الفاجومي في الثقافة العربية.

يبقى القول أنك إذا أردت أن تعرف رأي أحمد فؤاد نجم الحقيقي في الأشياء و اتجاه بوصلة قلبه  فاقرأه شعرا.ستسمع صوت الأرض بفاسها و ناسها و نيلها. ستسمع "كركرة" الجوزة، دقات قلوب المحبين، الأنين و الحنين، دمعة الغلابة و ضحكة المساجين، ستستمع إلى كرنفال صاخب من كل الأصوات.  ستقرأ التاريخ ليس من وجهة نظر السلاطين و الوجهاء و السادة المؤرخين بل من وجهة نظر الناس في حوش آدم و بولاق الدكرور و سائر حواري و نجوع و كفور مصر. لكن يبدو أن شيطان الشعر عند أبو النجوم قد تاب و آمن و آثر السلامة فلم تعد قريحته تشتعل بالقوافي. "و منين أجيب ناس لمعناة الكلام يتلوه".

قبل هذه الجائزة فاز أبو النجوم بمكان أصيل في وجدان الشعب العربي كله. و ملئ صفحته في كتاب التاريخ بالحواديت بعضها مسل و بعضها حزين و بعضها تشيب من هوله الولدان و كلها صاخبة ضاجة بالحياة.  ليس متواضعا فهو واع بمكانته  كشاعر عبقري صنع من اللاشيء شيئا و أثر في أمته كما قال ذات لقاء. صحيح أن الجائزة تأخرت و صحيح أيضا أن الخبر مر مرور الكرام و أعطي مساحة إعلان فقد رخصة قيادة في الصحف العربية، لكن حسب عمنا أبو النجوم أن قصائده القديمة ما زالت تتردد على الألسنة حتى الآن. و هو و إن كان بخل علينا بالجديد إلا أن رصيده في القلوب يسمح و ما قدمه لناسه يشفع.

هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان.

فراس عطية

الأحد، 8 سبتمبر، 2013

رسالة إلى صديقة


تشعب بيننا الحديث مرة و حول ذات الموضوع. فلسطين. تناثرت الكلمات الحرب السلام التطبيع المعركة. امتطيت ذات العبارات المفرغة من المعاني عن القضية. ارتفعت الأصوات و انخفضت. و انفض السامر كالعادة دون أثر يذكر. لكني لا أملك إلا أن أسترجع بعض ما قيل. لن أذكره هنا فكلانا يعرفه. وجدت نفسي أكتب هذه الرسالة لأنني شعرت أن هناك ما زال بعض مما لم يقل.
أنا كما قلتي. لم أقدم غير الكلام الذي الصمت أبلغ منه و أغلى و أحشم. لكن دعيني أدافع عني. يا سيدتي ليس دوري أن أمسك البندقية و أقاتل في التشكيلات الحربية فأنا لست جنديا. و ليس دوري أن أخوض في فن الممكن فأنا لست زعيما سياسيا و لا محللا استراتيجيا. و لا تطلبي مني أن أسرد حقائق أو معلومات فأنا لست مثقفا ألمعيا و لا كاتبا أرزقيا. أنا يا سيدتي محض صعلوك ، مجذوب يروم الأزقة يصرخ مدااااد. أحمل في صدري إرثا من النواح و على قسمات وجهي سرادقات العزاء. أنا أحقر ما في هذه الأمة. و لكن، استمعي إلي أيتها العَجِلة. فدون كلامي يموت الجسد. دون صراخي تذبل الروح. ينقطع الحبل السري الذي يغذي الأمل. ينقل الأسطورة. يبقي الحياة. ينفث الروح في جسد الفكرة. أنا و أمثالي كالأنبياء نحمل الرسالة ننقلها إلى أولئك الذين لا يعبأ بهم أحد. لكن لا تخلطي بيننا و بين من يتصدرون ساحات الكلام. هؤلاء كلمنجية و هناك فرق..
أنا الذي كتبت فلسطين شعرا و نثرا و بكاء. حديثا في مقهى. حكمة في موال. ندهة في صوت الناي. قدمت الكلام يا سيدتي و الكلام ليس شيئا يسيرا. في زمن ضاعت فيه القضية حتى كادت فلسطين أن تمحى من الوجدان. حربنا ليست بندقية في مقابل بندقية. حربنا في المقام الأول حرب الوجدان. و سلاحنا فيها الكلام. يجب ألا يتوقف الكلام. الهنود الحمر خسروا أرضهم لأنهم سقطوا في حرب الكلام. خاضوها بالرماح فلما انكسرت رماحهم و مات جنودهم و أعملت بنادق الغزو قتلا في أجسادهم، ماتت الفكرة. عليهم رحمة الله كانوا أغبياء. لأنهم كانوا شعبا قليل الكلام. ماتوا و أفواههم مطبقة. الصمت هو الموت و لا يموت شعب يجيد الكلام. فنحن نخلق مأساتنا في أرحام زوجاتنا أجنة تحمل الإرث. نسقيهم العلقم قسوة كي يقووا على حمله. نذيقهم طعم الدم في حليب أمهاتهم كي لا ينسوا.  سيبقى الكلام.حتى يولد من أصلاب هذه الأمة من يستعيد الحق المسلوب. عندها سنأخذ العزاء في الموتى. و ينتهي الكلام.
أعذريني إن كنت قاسيا أو تلفظت بما لا يجب. لكني أشعر بالخوف. فأمثالك في تزايد. تريدون أن يعم الصمت. أن يحرم الكلام. بنية طيبة تريدون أن نمضي نحو التطور و التقدم و التنمية. نحن لا نأبه لهذا. نحن نعيش للثأر. نريد أن نرى دمائهم كما يتسلون بإراقة دمائنا. و خذيها مني، لن تكون هناك تنمية و لا يحزنون و إن كانت فإنها لا تصل لأمثالنا. لست لائما لكني معاتب.
الغربة ميلاد جديد لنفس الجسد بروح مختلفة. أسمى أو أحقر لا يهم. لكنها مختلفة. تتحدث لغة لا نفهمها. ترطن رطانة غريبة. تتنفس أحلاما لا تسعها عقولنا. تطرب لألحان تخلو من الشجن.تدعونا أن ننسى. أن نترك الماضي. أن نتوجه للمستقبل. و هذا يا سيدتي لا نستطيعه. لا نريده. اسمحيلي أن أقول رأيي فيكم. فالغربة أنستكم أنفسكم. أراحتكم من حملنا. و حملتكم بأحمال غيركم.أنتم محبطون. تلقون بإحباطكم علينا و تزعمون أننا سبب تأخركم. هاهي الأرض من تحتكم. تقدموا وحدكم و اتركونا ههنا. لكن دعيني أقول لك أنني في الحقيقة قد بدأت أخاف.  فرطانتكم استمالت قلوبا متعبة من الإرث الثقيل و طال انتظارها للخلاص. استكانت لفكرة التخلي و المضي "قدما" صرتم عقلانيين و صرنا نحن المجانين. صرتم تقدميين و صرنا نحن الرجعيين. صرنا نحن الغرباء.  لم يعد الشجن يثير الحنين. الجرح الذي لم يندمل يراد له أن يبتر. الناي لا ندهة له. و الشعر في الموال جفت منابعه. صار الكلام عن السلام و الاقتصاد و التكنولوجيا و أصحاب المال. صارت مصافحة العدو دليل رقي فكري و تحضر إنساني. و صرنا نحن وحوشا كاسرة متعطشة للدماء رغم أننا لم نرتكب غير الكلام.
سامحيني فأنا لن أتغير. سأبقى وفيا لإرثي. للثأر. لطعم الدم في حليب أمي. للفكرة. سأبقى أتحدث. سأملئ الكون بالكلام. سأثقل صدور أبنائي بالمأساة. و سأوصيهم. أن يخلقوها في أرحام زوجاتهم أبناء. و لمن بعدهم و من جاء بعدهم. لو عم الصمت في هذه الأرض كلها. ستبقى سلالتي تصرخ و تملئ الدنيا بالكلام. بالشعر في الموال. بندهة في صوت الناي. بحدوتة في المقهى. كي يتبدد سكون الصمت. كي يرحل الموت عنا. كي لا تموت الفكرة.
و يستمر الكلام.
فراس عطية.

الثلاثاء، 5 فبراير، 2013

المثقفون و الكلام الفارغ (جريدة الوطن-صفحة نقاشات 1 فبراير 2013)

 
 
تتبادر إلى الذهن تصنيفات عدة لأنماط شخصية الإنسان المعاصر التي تتغير تباعا بحسب المصادر الجيوسياسية والفسيولوجية الإرادية منها واللاإرادية دون أن تتأثر بالضرورة كينونته الجمعية. وبحسب البروفيسور "جون أرشيبولد" الصيرورة الزمانية للإنسان هي الرافد الأساسي للكامن في الماورائيات الإنسانية منها وما دون ذلك. وبالتالي يمكن اختزال مكامن النفس البشرية في حالة واحدة؛ الحب الثابت منه والمتغير. يقول المفكر العربي ربيعة بن الأقحوان إن الإنسان هو كتلة من اللامرأي تختلف درجة وضوحه بحجم الضوء المسلط على حقيقته.خلاصة القول إن الإنسان في عمومه وبغض النظر عن كينونته الأصيلة أو صيرورته الزمانية ما هو إلا محصلة آلاف الأفكار التي تلتقي كلها عند نقطة اللاعودة.
 
ما سبق كله عبارة عن كلام فارغ لا أساس له ولا معنى لكنه يشبه في لغته ومصطلحاته خطاب بعض المثقفين الذين يكتبون كلاما لا يفهمه أحد. وبما أننا لا نفهمه فلا بد إذا أن تكون هذه الأفكار المرصوصة على شكل طلاسم هي عصارة الحكمة وخلاصة الثقافة ونهاية الكلام. تجد هؤلاء الموهومين يكتبون كتبا من ألف صفحة مليئة بالحشو والأفكار المكررة، والعبارات المجترة بينما الفكرة الرئيسية إن وجدت يمكن كتابتها في سطرين. يتواجدون في خيالهم وعوالمهم التي لا يأبه لها العوام والبسطاء أمثالي ممن يصفهم المثقفون بالرعاع بينما هم يزعمون أنهم يتحدثون معهم وعنهم وعليهم ومن أجلهم. وأن على هؤلاء الرعاع أن يتنحوا جانبا ويتركوا أمر قيادة المجتمع للمثقفين المهمومين الذين لا يفهمهم أحد. لهؤلاء أحب أن أقول أنتم لا تشبهوننا ونحن لا نعرفكم.

المثقف الحقيقي من وجهة نظري المتواضعة هو من الناس، واحد منهم، يعيش بينهم، يكتبهم، يشرحهم، يعريهم، يتحدث إلى أمراض مجتمعاتهم.. يمشي معهم ولا يمشي وراءهم. قد يشتم، وقد ينبذ، وقد يفرض عليه الموت بالحياة في العزلة لكن الناس في النهاية يعلمون أنه واحد منهم.. يرونه في أماكنهم.. يشبههم.. فهو يعلم كما يعلمون أنه ما هو إلا واحد منهم..


http://www.alwatan.com.sa/Discussion/News_Detail.aspx?ArticleID=131279&CategoryID=8

الثلاثاء، 27 نوفمبر، 2012

يوميات موظف كحيان



اليوم قمت بدوري على أكمل وجه و أتممت مهمتي كما ينبغي لموظف نشيط محب لعمله مطأطئ لرأسه على الدوام عابد لرؤسائه في العلن لا يصالح و لا يهادن فيما يخص مصالح الشركة. فمصالح الشركة من مصالح الوطن و الأمة و المواطن، و أي تخاذل فيها هو خيانة للشركة و الوطن و الدين، هكذا أفهمونا في الدورات التدريبية العديدة  التي نحضرها على الدوام و التي تندرج تحت بند غسيل المخ و تصنف في هيئة الأمم المتحدة كأداة تعذيب خير منها خوازيق عصر المماليك. و الدورات التدريبية هذه حكاية و رواية و هي ككل شيء في هذه الدنيا، مقامات. فهناك دورات لأبناء الذوات و المعارف و الأحبة و الخلان و المنافقين و من حذى حذوهم. و هذه الدورات في معظم الأحيان دورات خارجية في مدن أوروبا و أمريكا و آسيا الشرقية حيث الخضرة و الوجه الحسن و أموال انتداب بغير حساب. و الويل و الثبور إن حاول أن يلتحق بإحدى هذه الدورات أحد الموظفين الكحيانين الغلابة أولاد الكلب اللذين يثقلون كاهل الشركة بالمصاريف دون فائدة ترجع لصرحنا الشامخ إلا الهم و القرف و وجع الدماغ. لكن الشركة التي تتخذ من العدل ميزانا لقراراتها لم تبخل على الغلابة من أبنائها فابتدعت لهم دورات خاصة بهم و هي داخلية في مقرات الشركة و مبانيها و الغرض منها غسل مخ الموظف المسكين و تنقيته من كل ما تعلمه في العالم الخارجي قبل التحاقه بالشركة. و حقنه بقيم الشركة و تعاليمها و أسلوبها في الحياة. ليصبح في المحصلة فردا منتجا في قطيع العجول فيفني حياته في عبادة الشركة حتى يحال على المعاش و منه على القبر.

 و لما كنت حمارا أصيلا و لم و لن أستطيع أن أكون عجلا يأكل و يشرب و يعمل حتى يموت، كان لزاما أن أصنف كمثير للمشاكل و أبعد عن القطيع و ألتحق بدورات مكثفة هدفها القضاء على سوسة التمرد في داخلي و ترويضي و من ثم إعادتي لقطيع العجول السمان لأعمل بنشاط و ابتسامة بلهاء ترتسم على المحيا. فإن لم يكن فأضعف الإيمان تحويل هذا الحمار الوحشي إلى بغل بقطع دابر رجولته و أسباب هيجانه فيتحول إلى ركام لشيء كان و يركن في مكتب مهترئ حتى يفنى. و الشركة زاخرة بهذا النوع من الموظفين؛ الموظف الذي كان ثائرا و مطالبا و مزعجا للإدارة على الدوام ثم تحول بفعل أحدث الخبرات الأمريكية في ترويض الحيوانات إلى أسد هزيل منزوع الأنياب فاقد القدرة. و أعتقد أن الإدارة تتعمد الإبقاء على هذه النماذج بين جنباتها لتكون عبرة لمن يعتبر و مثالا حيا على ما يمكن أن يصير عليه الإنسان إن هو تحدى  هذه الآلة. فهذه العينة من الموظفين لا تؤدي أي عمل و تتفرغ النهار بطوله للثرثرة و الهذيان و التسكع بين المكاتب و الأسياب دون هدف. كائنات مزمجرة مكتئبة منفرة تحيا على حافة الجنون تنتظر الموت و الخلاص.  بعضهم يعود لرشده و يرجع إلى الحظيرة صاغرا، محاولا أن يجد له مكانا تحت الشمس من جديد  لكن الشركة لا تلدغ من جحر مرتين. ستقبلهم على الأغلب و لكنها ستوكل إليهم أعمالا حقيرة إمعانا في الإذلال و التعذيب و تتركهم على هامش الحياة يلعقون جراحهم.

و لما كنت حمارا عنيدا كما ذكرت كان من الطبيعي أن أكون أحد المشاكسين المشاغبين و قد كلفتني مشاغباتي الكثير. فرضت علي عزلة خانقة من الإدارة و الموظفين المساكين اللذين آثروا السلامة و البعد عن المهالك. و انضممت إلى المنبوذين من أمثالي، مطاريد الجبال و صعاليك العرب اللذين خرجوا على أعراف القبيلة و افترشوا أطراف الصحاري. ضقت ذراعا بحالي و مآلي و تحملت التقريع الشديد من أهل بيتي على ما آلت إليه حالتنا المادية، فجارنا فلان نال ترقية و اشترى سيارة جديدة و فلان الآخر سافر في رحلة بحرية يجوب سواحل أوروبا، و أنا كما أنا مرتب لا يكفي لعشرة أيام و الحال لا يسر عدوا و لا حبيبا. لذا قررت أن "أنخ"، أطأطئ الرأس و أسبح بحمد الشركة، أدور في ملكوتها حامدا شاكرا ملبيا ألتفت لعملي و أترك خزعبلاتي و أحلامي و أنضم إلى القطيع البائس من الموظفين. أذهب للدوام مبكرا حاملا كوب القهوة في يدي. حليق الوجه مرتب الهندام مستعد ليوم طويل من العمل و الإنتاج. تخليت عن مظهر البواب الذي أتخذه لنفسي. خلعت الجلباب و المداس و استبدلتهما ببنطلون و قميص محشور في قلبه دون ذنب جناه. تخليت عن عادتي الصباحية بالمرور على عمك أبو زيد و تناول إفطار دسم مكون من معصوب ملكي و طبق فول حار بالزيت و رغيف تميز مدور كالبدر التمام. استعضت عن هذا كله ببضع حبات من العنب و تفاحة لزوم الصحة و الرشاقة و التركيز. تخليت عن مناكفة رؤسائي و تبادل القفشات و النكات البذيئة مع الزملاء.أصبحت موظفا نجيبا لا هم له إلا تحقيق أعلى معدلات الإنتاج. تخليت عن السهر و قعدات الأحبة و الخلان.تركت كل هذا وراء ظهري و قررت أن أتحول لموظف، بكل ما تحمله هذه الكلمة من خنوع و إنحناء.

 جعلت أتحين الفرص لأثبت ولائي و أنني على العهد مقيم. جاءتني الفرصة على طبق من ذهب لكنها كانت على حساب موظف آخر أشد غلبا كل ذنبه في الدنيا أنه أخطأ و اكتشف و حظه السيء أنه كان موظفا كحيانا و وقع في يد كحيان آخر. و سبحان الله كيف يتحول الغلبان إلى وحش كاسر أمام من هو أشد منه غلبا بينما يصير كالكتكوت المبلول أمام من هو أعلى منه مرتبة في السلم الاجتماعي أو الوظيفي.

أخطأ هذا المسكين فزور توقيعا ليعجل مرور فاتورة لعميل مهم. تزويره لم يكن بغرض السرقة و لا فائدة يرجوها منه إلا التعجيل بإنهاء عمله و إرضاء رئيسه. و لسوء حظه أنه وقع في يدي في اللحظة التي قررت فيها أن أتحرر من قيد الغلب و أنتمي إلى الموظفين الكبار. لم تشفع له استرحاماته و دموعه و لم يرق قلبي لديباجته عن أهله و مرضه و أطفاله اللذين يجري على رزقهم. أغلظت له في القول و طردته من مكتبي بقسوة. أخذت المستندات و توجهت من فوري لمكتب رئيس القسم. طرقت الباب و دخلت. وقفت أمامه كالتلميذ النجيب. أخبرته بالقصة و شددت على أنه لولا يقظتي و انتباهي لمر الأمر مرور الكرام و حصل ما لا يحمد عقباه. نظر إلي نظرة طويلة باردة و أمرني أن أترك المستندات على مكتبه و أذهب. هكذا دون كلمة شكر. عدت إلى مكتبي و أنا أضرب أخماسا في أسداس. هكذا دون كلمة شكر، فقط ضع المستندات و اذهب. يا خسارة التعب و الجهد. و هذا المسكين الذي ستنهد حياته من حوله و يضيع في الدنيا بسبب يقظتي و تفاني في العمل. كان يمكنني ببساطة أن أعيد الفاتورة إليه و أحذره و أجعله يقدمها بالتواقيع الصحيحة و كفى الله المؤمنين شر القتال. لكن أنانيتي و حبي لنفسي جعلاني كالضبع المسعور و هو ينقض على جيفة يلتهم ما تبقى منها بعد أن نال منها الوحوش منالهم. شعرت بالخيبة و الضياع.

في اليوم التالي استدعاني مدير الإدارة لمكتبه. شعرت بالخوف و الفزع فمدير إدارة في شركتنا العملاقة كالقدر تشعر به و لا تراه. يتحكم بمصيرك دون أن تستطيع الاعتراض. بإصبعه يرفعك درجات فيجعل حياتك نعيما مقيما. عندها تتغير حياتك و تتغير نظرة الناس لك. ستمتد الأيدي التي كانت مقبوضة و تبتسم الوجوه التي كانت عابسة. و بكلمة منه يهوي بك إلى أسفل سافلين و يحيل حياتك جحيما مستطيرا دون أن يرمش له جفن. و عندها ستصبح كل اقتراحاتك سخيفة و كل أفعالك مستفزة و كل حركاتك مزعجة. ستنفض جموع الخلق من حولك و يتركونك تجابه مصيرك الأسود وحدك.

الحاصل أنني ذهبت لمكتب المدير و منظري يصعب على الكافر. العرق يتصبب من كل مكان في جسمي و الوجه شاحب و الحلق جاف. حيتني السكرتيرة الرشيقة و أمرتني بالانتظار ريثما ينتهي المدير من مكالمة تليفونية كان يجريها. جلست أجول بناظري في المكان. تسلل إلى أذني صدى لصياح. أطرقت السمع، كان المدير يتحدث في الهاتف. كان يرغي و يزبد و يهدد و يتوعد. تملكني الخوف حتى أنني فكرت أن آخذ ذيلي في أسناني و أركض إلى ما لا نهاية. أخرجني من هواجسي صوت السكرتيرة الغندورة و هي تطلب مني الدخول. دخلت المكتب و قدماي لا تقويان على حملي. لكن الرجل كان ودودا و قابلني بابتسامة و أمر لي بالقهوة. سلمني خطاب شكر متضمنا مكافأة مالية و شهادة تشيد بصنيعي و حسن أدائي. شكرته و خرجت. نسيت الرجل الغلبان و مصيره و فرحت بتقدمي خطوة نحو الطريق الجديد الذي رسمته لنفسي. عندما وصلت مكتبي وجدت نسخة من خطاب آخر موجه لرئيس القسم مفاده أن الإدارة تشكر القسم و رئيسه و موظفه الهمام على انتباههم و تحقيقهم مصالح الشركة. لكن عبارة في هذا الخطاب استوقفتني. انتزعتني من حالة الفخر  التي كنت فيها و ألقت بي إلى الفراغ. شعرت بالتضائل و تصاغرت نفسي أمام نفسها. "كما نحيطكم علما بأن الموظف فلان الفلاني و الذي ارتكب الجرم المشهود قد تمت إجراءات فصله و هو حاليا في قبضة الشركة تمهيدا لتسليمه للجهات المختصة و ترحيله خارج البلاد"

تمنيت أن تنشق الأرض و تبلعني في تلك اللحظة. تمنيت لو أنني كنت سرحانا كعادتي و مرت الفاتورة من تحت يدي دون تدقيق كما يحدث دائما. فحتى لو سرق هذا الغلبان،  و هو لم يفعل بالمناسبة، بضعة ألوف يستعين بها على قسوة الدنيا و رقة الحال، ما الذي كان سيحدث؟ و ما يضير هذه الشركة التي تربح آلاف الملايين يوميا إن ذهبت بضع مئات أو ألوف لجيب موظف كحيان عدمان كل همه أن يعيش حتى يصل للتقاعد و يحصل على مكافأة نهاية خدمة تمكنه من تزويج أبنائه؟ ما قيمة خطاب الشكر هذا الموقع بدم الغلبان؟ أكاد أرى صورته بين سطور الخطاب و هو يمضي منكس الرأس مكبلا بالأغلال تحيط به الخيبة و المذلة. أشم رائحة الخزي و العار و دناءة الإنسان في الحبر الذي كتب به. هو خطاب شكر للموظف و نعي للإنسان. كلانا، أنا و هو قتلنا اليوم.  "و هو حاليا في قبضة الشركة........" رنت هذه العبارة في أذني كثيرا. و هل للشركة قبضة تطبقها على الموظفين  و سجن تحبس فيه المخالفين تمهيدا لترحيلهم عن البلاد؟ أي شركة هذه؟ شركة أم دولة لها حرس و شرطة و قضاء و قبضة من حديد تدك بها رؤوس الأشقياء؟

قاتل الله أنانية الإنسان. بسببها تحول غلبان مذعور إلى وحش كاسر ينتهز زلات الآخرين ليوقع بهم و يرتقي بدمائهم و خيباتهم درجات على السلم الوظيفي، و تحول غلبان  مذعور آخر إلى موظف مفصول و في قبضة الشركة تمهيدا لترحيله خارج البلاد. آه لو كان الغلبان هذا أحد القطط السمان من أصحاب الحل و الربط، أو لو كان قريبا لهذا أو ذا حظوة عند ذاك. عندها لما تجرأ  موظف كحيان مثل حالي أن يتسبب بضياعه و تغيير مجرى حياته إلى الأسوء. لكن القدر شاء أن يكون غلبانا و  أن يقع في يد من هو أشد منه غلبا.

أطرقت رأسي.جلست على مكتبي أفكر. مرت دقائق ثقيلة كأنها الدهر كله.لمحت انعكاس وجهي على شاشة الكمبيوتر القابع أمامي. كرهت ما رأيت. ضقت ذرعا بمنظري الجديد و ما يمثله. لمعت عيناي فجأة ببريق الجنون. مزقت خطاب الشكر. فككت أسر القميص و خلعته من حشرته. تحررت من ملابسي كلها و جعلت أركض في أنحاء المبني كالمجذوب و صراخي يملأ المدى. كل همي أن أعود لجلبابي و مداسي و حياتي التي كانت..

السبت، 10 نوفمبر، 2012

مخانيث عدن و أحدث مكائن اللبخ



هذه التدوينة موجهة إلى ثلاثة أشخاص لا أعرفهم و قادتهم الصدفة البحتة إلى هذه المدونة فوقعوا في شر أعمالهم أو لنقل سوء حظهم..
كأي مدون ناجح أقوم دائما بمراجعة إحصائيات مدونتي..عدد مرات الزيارة، عناوين الإحالة، مواقع الإحالة، كلمات البحث الرئيسية التي أوصلت الناس إلى مدونة العبد لله..لا شيء ملفت أو خارج عن المألوف..بضع عشرات من الزيارات و لا تعليقات على أي موضوع في المدونة..كم تمنيت أن يكتب أحدهم تعليقا حتى و إن كان عبارة عن سلسلة متصلة من الشتائم..على الأقل سأشعر أنني أثرت في أحدهم لدرجة أنه تنازل و شتمني..

لكن الشيء الذي لفت انتباهي و أثار ضحكي و يبدو أنه سيغير طريقتي في التعاطي مع هذه المدونة المهجورة بل و الكتابة عموما هو كلمات البحث التي أدخلها الناس فانتهى بهم الحال أمام هذا الحائط المتآكل الذي أمارس عليه مشاغباتي و أبثه شجوني و أفك حصرتي اللغوية على أطرافه..الولد الشقي، منال الشريف، علني ما ذوق حزنك، اوجه خلف ابتسامتها بؤس، ستصافح التربة خدك..تبدو هذه العبارات طبيعية و أستطيع أن أفهم كيف وصل من أدخلوها في محركات البحث إلى صفحتي..فأنا إنسان حزين بطبعي و حزني لا يرتبط دائما بأحداث حياتي أو محيطي هو حزن عام دون سبب..إنسان بائس اختياريا..حزين قطاع خاص..حتى عندما أفرح أو أضحك بجنون أستعيذ بالله  سريعا و أعود للحزن..هو المنطقة الوحيدة التي أشعر فيها بالتوازن..لذا كان من الطبيعي أن يخرج حزني إلى فضاء الانترنت و يجر شخصا كتب في محرك البحث "علني ما أذوق حزنك"  أو "وجوه تخفي خلفها بؤسا" و يلقي به هنا..كما أنني شخص متشائم كذلك و دائما ما أشعر أن الموت يحوم حولي حتى أنني تجاذبت أطراف الحديث معه مرة و لم يكن الحديث مبشرا بالخير..لعله هو الذي كتب "ستصافح التربة خدك" في محرك البحث ليوصل إلي رسالة مفادها دع القلق و ابدأ الحياة.

لكن ما أثار حنقي ثم ضحكاتي وجود عبارتين أدخلهما الناس في محركات البحث لا تمتان إلي بصلة..و أحتاج إلى خبير في الإنترنت و تقنية المعلومات ليشرح لي كيف قادت هاتان العبارتان الناس إلى مدونتي..أو لعلها مؤامرة من الحساد لتثبيط همتي و السخرية مني.. "مخانيث عدن"، و" احدث ماكنة لبخ جدران" قادتا ثلاثة أشخاص إلى هنا و رمت بهما إلى قارعة صفحتي..بداية أود أن أعتذر لثلاثتهم على تضييع وقتهم فيما لا يفيد و على عدم عثورهم على ما كانو يبحثون عنه..فأنا لست من المخانيث و لا من عدن التي لم يمن الله علي بزيارتها بعد..كما أنني لا أعرف شيئا عن مكائن اللبخ..لكن، إذا تجاوزت الفكاهة و نظرت قليلا إلى العمق ستجد أن من الطبيعي أن يقودك البحث عن مكائن اللبخ إلي..و لعله أبلغ تشبيه لكتاباتي  و لشخصي و هو تشبيه عبقري لا تجود به إلا قريحة أعرق النقاد و المحللين النفسيين..و أشهد أنني ماكينة لبخ على أعلى مستوى و إن لم أكن أحد أحدثها و اللبخ الذي أصنعه هنا لا مثيل له و إن لم يكن بنفس جودة و فائدة لبخ الموبيليا و أجهزة التكييف..و لا له القدرة على تنظيف فروة الرأس كلبخات الأعشاب..

الحقيقة أن هاتين العبارتين فتحتا مخ العبدلله على حقائق مهمة..أهمها أنني في سوق الكتابة لست أكثر من مكنة لبخ تعجن العبارات و تمزجها لتخرج لنا نصا هو عبارة عن لبخة لغوية و لبخة في المضمون..شيء متعجن متلاصق لزج يثير النفور و الانزعاج عند مقاربته..له رائحة نفاذة تزكم الأنوف..و بما أنني كإنسان أعتقد أنني على حافة الجنون لن أستغرب و أستعجب إذا تحولت إلى أحد المخانيث فقطبت حواجبي و لبست باروكة نسائية و مضغت العلك و أنا أتسكع في أحد شوارع عدن عارضا خدماتي على الراغبين..و يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف...

الأربعاء، 7 نوفمبر، 2012

كاتب أرزقي يعمل موظفا



النزق و الملل السريع عنوان لمعضلة لم أتمكن من تجاوزها حتى الآن. فأنا أكره الثبات على حال. عاشق للترحال..أحب الخوض في كل شيء و أي شيء. تجارب و قصص حياتي تصلح مادة لرواية مسلية أو مسلسل خفيف على طريقة  "الست كوم" لكن الملل تمكن مني أخيرا و هو في طريقه للقضاء على البقية الباقية من جذوة النشاط عندي. فأنا الآن موظف، دوام ثابت، مواعيد صارمة، لباس لائق، شخصية رسمية تومئ بحساب و تبتسم بحساب. لا مكان هنا للضحكات العالية و التسنكح في الأزقة مع الصعاليك و أولاد الشوارع. و لا السهر في المقاهي حتى آخر ساعات الليل. فالعمل اليومي الروتيني المتكرر المرهق لا يجعل للإنسان مجالا لممارسة الضياع الذي أحبه. أشبه نفسي كثيرا بالثور الذي يدور في الساقية إلى ما لا نهاية..فلا تسكع بلا هدف في المروج و الهضاب..و لا قيلولة ساعة عصاري تحت ظل شجرة أو استعراض لفحولته أمام بقرة مشتاقة..

المشكلة أن هذا الملل و فقدان القدرة على الاندهاش استشرى في أنحائي كالسرطان ماضيا بتؤدة و ثبات نحو القضاء على البقية الباقية من موهبة و خيال. فأنا أشهد لنفسي أنني متعدد المواهب..و صاحب أفكار كثيرة لو قدر لنصفها أن يتشكل على أرض الواقع لوصلت للتوازن النفسي الذي أنشده..لكن كثرة الأفكار مع النزق و التشويش الذهني جعلها تدور في المربع الأول دون أن تغادره و غالبا ما أتجاوزها للخوض في مشاريع جديدة كلها تنتهي بالنتيجة نفسها..لا شيء..

كانت لي تجربة بسيطة في عالم الصحافة لم تتعد بضعة مقالات في الصفحات الثقافية لم يلتفت إليها أحد إلا أصدقائي و أهل بيتي و ذلك لأنني ضغطت عليهم بكل السبل ليقرؤوها. إضافة إلى تقرير صحفي فقير المحتوى غارق في التقليدية مليء بالكليشيهات المملة نشرته إحدى الصحف اليومية الكبرى. لا أدري لماذا كنت أتصور أن بعد ثاني مقال ستهب الصحف اليومية الكبرى لتستكبني لديها لأطل على قرائها يوميا أو أسبوعيا أو حتى سنويا. لكن الحمدلله أن رؤساء تحرير الصحف لم يلتفتوا إلي و لم يردوا على مئات الرسائل التي أرسلتها لهم طالبا منهم منح الفرصة للشباب من أمثالي، و كانوا أكثر دراية مني بما يريد القراء و يثري الحركة الصحافية الراكدة.

كما أنني و بعد فشل مشاريعي في الصحافة تحولت إلى كتابة القصة و لم لا فأنا حكاء ممتاز و في جعبتي حواديت و قصص لا تنتهي و لدي قدرة هائلة على اختلاق الأحداث و الحواديت أيضا إذا لزم الأمر. شرعت في كتابة القصص و ابتلى ربي أحد أصدقائي بقراءة قصصي و هو روائي معروف و فنان و متواضع  و زاهد إلى حد كبير لا يحتفي بنفسه و لا إنتاجه رغم أن فنه جدير بالاحتفاء. ربما كان تواضعه و زهده هما ما أغرياني بالإثقال عليه و إغراق بريده بقصصي التي أزعم أنها من صميم الحياة ليقرأها و يبدي الرأي فيها. و كان يفعل مشكورا و يزيد بأن يضع ملاحظات على الهوامش و يمتدح الأسلوب أحيانا و يوصيني بقراءة بعض الأعمال لأحسن من أدواتي..الحق يقال أنني استفدت منه كثيرا و كنت أتحين الفرص للقائه لأغرقه بالأسئلة عن كيفية بناء الشخصيات و الكتابة للغة أم اللغة للكتابة.. أكاد أذوب في خجلي الآن و أنا أتخيل حالته و هو يقرأ هذه القصص مضطرا و من باب الصداقة التي تربطنا و الإلحاح الذي أمارسه عليه..لكني بعد فترة توقفت عن إرسال القصص له و هو لم يسألني عن السبب و يبدو أنه زفر زفرة حارة حامدا الله على ذلك. أو لعله خر لله ساجدا و ذبح تيسا و فرق لحمه على الفقراء ابتهاجا بانتهاء هذه العملية الثقيلة. صحيح أنني لم أتوقف عن كتابة القصة و لكنني توقفت عن إرسالها له و السبب هو حرصي على أن تدوم صداقتنا. فهو من ذلك النوع النادر من الأصدقاء و الذي تكتشف معدنه  الأصيل عند أول لقاء. كما أنني خفت أن تخونه قدرته على الاحتمال فينفجر في وجهي أو على الأقل ينسحب في صمت..

و لي تجربة في الرواية كذلك و هي  تجربة فريدة من نوعها، فهي لم تتخطى قط مرحلة التخطيط و بالتخطيط هنا أعني حديثي في كل مجلس بمناسبة و بلا مناسبة و لكل أحد عن نيتي في إصدار رواية تتناول أحد العوالم المنسية في ثقافتنا الحجازية. و الحقيقة أنني كنت بارعا في الحديث و في وصف العمل كيف سيكون، شخوصه و أزمنته، و رسالته. لكنه لم يتخطى يوما مرحلة الحديث إلى التنفيذ و انتهى هذا العمل العظيم نهاية تليق به فصرت أستخدمه كمدخل للحوار في جلسات المثقفين التي أحضرها و وسيلة لإحياء الجلسة في تلك اللحظات التي يسود فيها الصمت المطبق..

تشعبت في الحديث كثيرا و أبحرت بعيدا عما كنت أريد قوله في الأساس و امتلئت سطور صفحتي بالتناقضات..استبد بي الملل و تمكن مني كما يفعل دائما؛ لذا لن أكمل هذه الحكاية..

 

كاتب أرزقي يعمل موظفا كحيانا

الثلاثاء، 6 نوفمبر، 2012

أحلام موظف كحيان



إذا هذه هي حياتي . موظف كحيان في إدارة تعيسة. يدقق الفواتير و يتأكد من تطابق أصفارها و صحة بياناتها. يأتي إلى عمله و يغادره في مواعيد ثابتة صارمة. ينتظر نهاية الشهر ليقبض بأصابعه البضة على بضع قروش تعينه على شظف العيش. يومي روتين خانق لا تقطع تكراره إلا فواصل النميمة و سندوتشات البيض المقلي و دقائق معدودة لتدخين السجائر. ذهب الشباب و ذهبت السنين أفسحت الرأس طريقا لصحراء أكلت شعر رأسي. أشعر كأنني كنت في غيبوبة و لما استفقت وجدت نفسي قد صرت شيئا لا أجد له تعريفا مناسبا. لا يسري عني إلا الإرتحال إلى الداخل و السفر عبر دروب الحلم القابع في مؤخرة رأسي، في المكان الوحيد الذي لم تلوثه الوظيفة بعد.
أراني روائيا مشهورا مقيما في منفاه الاختياري يجلس في مقهى قديم على ضفاف بحيرة أوروبية بديعة، و كوب من القهوة الفرنسية الجيدة الصنع خاشع أمامي يتصاعد منه الدخان إلى السماء كصلوات المؤمنين. من حولي تلاميذ و مريدون يرقبون بأعين تنضح منها الرغبة في المعرفة و الإعجاب حد الانبهار أستاذهم الحالم و هو جالس بتصميم نبي يكتب قصص الحياة.  و نادلة ممتلئة القوام ترسل نحوي نظرات تحكي ما لا يقال. تسأل بصوت ملئه الغنج و العهر المحمود إن كنت أرغب في كوب آخر من القهوة. تطير في أروقة الخيال إن أنا أرسلت نحوها نصف ابتسامة.
أراني أتقدم نحو منصة ما لأتسلم جائزة في الأدب عن آخر أعمالي الروائية. أستمع لمقدم الحفل بصوته الرخيم و هو يذكر اسمي إلى جانب أعلام الأدب كواحد منهم ينتمي  مثلهم إلى تلك الفئة الخاصة  جدا من البشر. ينتقل بي المشهد إلى مكتب حقير متآكل الأطراف في غرفة خشبية ضعيفة الإضاءة تحتضن مكتبة مهترئة تحوي كتبا تزيد عن طاقة احتمال أرففها. و منضدة خشبية صغيرة تعلوها طفاية سجائر..و إناء كبير من الماء البارد بجانبه كوب ممتلئ إلى النصف. و أوراق صفراء مطروحة أمامي كجثة تنتظر مني أن أبث فيها من روحي و أمنحها أسباب الحياة. أضع قلمي الرصاص جانبا و أبحر بنظري إلى ما وراء النافذة المفتوحة عن يميني حيث الشارع الذي يموج بالحركة و الأجساد الرقيقة التي تمشي و كأنها ترقص. أتأمل الأجساد و الوجوه و أستقي منها شخصيات لرواياتي.
أراني مسافرا أبديا بلا عنوان ثابت. مسافر بلا خوف و بلا متاع. في كل بلد لي حكاية. في كل شارع لي أثر. و على كل مقهى لي أصدقاء أحبهم و لا أعود لزيارتهم. في كل زقاق لي مغامرة لا ينبغي ذكرها. أوراق و أقلام و وجوه عديدة بملامح مختلفة. نساء على كل شكل و لون يحلمن بليلة في أحضان الشهرة. و سويعات يقضينها في نقاش عن الفن و الأدب و الجمال و الموسيقى بعد فواصل من الحب الهادئ..
ينتزعني من براثن الحلم صوت رنين الهاتف ..الفواتير و العملاء..متطلبات الوظيفة..عوامل النجاح و سبل تطوير الذات..مصالح الشركة..الدسائس و النفاق..فواصل الردح و النميمة..رائحة السجائر الرخيصة و سندوتشات البيض..أودع الحلم في مكانه المقدس قبل أن يتلوث..على أن أزوره لاحقا لأستأنف مغامراتي في عالم الفن و الرواية و الموسيقى و الجمال..و بالطبع النساء..
 
موظف كحيان

الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2011

إلى فيفيان


فيفيان لا تحزني..لا تذرفي الدموع..فقد كنت تعلمين أنك في قلبه الثانية..تعلمين أن الحب لا يكون إلا للحبيب الأول..و ما حب امرأة لمن تعلق بهوى مصر؟ قدرك أن تكوني حبيبة عاشق مصر..نادته فاستجاب..ارتحل إلى باطن أرضها حاملا قلبه بين يديه ليزرعه هناك..ليروي الأرض الظمآنة بدمه..انتظريه فهو حتما عائد..لا تجزعي..ستعرفينه حين يعود من باطن الأرض شجرة..في حمى النيل العتيق ضاربة جذورها في أعماق الأرض الطيبة تطرح فاكهة الجنة..ورقها أخضر..قطوفها دانية..و طلعها للسماء..انتظريه هناك و سيأتي..ستشعرين بروحه في النسيم تحت ظلالها..يحتوي أنفاسك بأنفاسه..يمسح دمع عينيك و يعتذر..فقد شاء جند الشيطان أن يقدموه قربانا للموت..أن يقطفوا روحه المحرمة فداء للواء..أن يتقربوا لله بقتله..ألا يعلمون؟ ألا يعلمون أن الله لا يقبل الجثامين قربانا..ألا يعلمون أن الله هو العدل..و هل العدل أن تسحق العظام تحت الجنازير؟ ألا يعلمون أن الرب سائلهم..فيم قتلتموه..و تحت أي ذريعة ذبح..و في أي سبيل اختطفتم روحه..حاولي ألا تغضبي..المصاب جلل و الفقيد عزيز..لن أحاول أن أقول أني أشعر بحرقة قلبك..لن أحاول أن أقول أني أفهمك..لا تضعفي..الكل متعاطف معك..الكل يبكي حبيبك..الكل حزين..دموع عينيك على أسيل خدك سكاكين تغرز قلوبنا..سنبكي معك..لكننا سننساك بعد زمن..سيعود كل منا لحياته..ستنفض جموع الخلق من حولك..و يتركونك تصارعين الهم وحدك..ليس من قسوة القلوب لكن النفس جبلت على النسيان..أنانيتنا تحتم علينا البعد عن الهم..و همك ثقيل راسخ..و قلوبنا المترعة بالأحزان  تحتمل هما جديدا..لكنه لن ينساك..كلما أغمضت عينيك سترينه..كلما آلمتك الوحدة ستشعرين بحنو يده تنتزع من قلبك الهم..ستسمعين صوته في الفجر صافيا..دافئا..يكلمك..يبث الأمل في روحك..ينير قلبك بقبس من نوره..هو الوحيد الذي سيبقى فلا تفقدي الأمل..افتحي أبواب قلبك و انتظريه فهو عائد..عائد من باطن الأرض شجرة..هناك..في حمى النيل العتيق ضاربة بجذورها في باطن الأرض تطرح فاكهة الجنة..ورقها أخضر..قطوفها دانية..و طلعها للسماء...

الجمعة، 2 سبتمبر، 2011

أحلم !

أحلم..أو ليس من حقي أن أحلم؟أحلم و حلمي بسيط.  بسيط بساطة نفسي..صغير بحجم طموحاتي و ضيق كأفقي..لا مالا أرجو و لا جاه أريد و لا نساء كما الملبن تشتهي نفسي..حلمي أبسط من ذلك..لا أحلم بأن يعم السلام في أرجاء الأرض كما يتشدق الفنانون إن سئلوا عن أحلامهم..حلمي شخصي للغاية، لا هدفا ساميا وراءه و لا يحتوي على عظمة تستحق بسببها أن يتبناه آخرون..أحلم أن أطلق العنان لقلمي فيكتب أفكاري كما تطرأ على عقلي..أحلم أن أنتمي لتلك الطبقة من الكتاب العظام الذين نقلوا سير الشعوب..أولئك العظام الذين شكلوا الوعي الإنساني. أحلم أن أصبح مثلهم..عصبيون، فقراء، يدخنون بشراهة و يحتسون فناجيل القهوة بلا انقطاع..يقرؤون بنهم و لا يكتبون إلا وفقا لطقوس صارمة..هكذا أتخيلهم و هكذا أريد أن أكون..أحلم أن تكون لي مكانة على قدر موهبتي فإن كانت عظيمة خلدت سيرتي مع عظماء القلم و إن كانت فقيرة ذكر اسمي مع أدعياء الثقافة و الفكر..أحلم أن أكتب فقط..و أن تقرأ كلماتي و أفكاري فيشار إلي بالبنان أو بالحذاء لا فرق..المهم أن يشار إلي..أن أسمع صدى لكلماتي..
أحلم أن أحيا قارئا و كاتبا و لا شيء آخر..أحلم أن أحيا حلمي بتفاصيله و معاناته..أن أعيش في داخله حتى يتماهى مع واقعي..أن أمضي سني عمري ملاحقا الحلم حتى أحققه أو أقضي دونه..أحلم بالانعتاق من ثوب أرتديه و لا يليق بي..أحلم بالهروب من مكان وضعتني فيه الأقدار لا أفهمه و لا تسعني رحابته..أريد انسلاخا عن شخصية أتقمصها و لا أجيدها..بل أزدريها فأزدري نفسي..هي جنة لغيري مقبرة لي..أحلم بالتخلص من الموظف في داخلي, ذاك الخائف من ظله الذي يخشى رئيس القسم و يكاد قلبه يتوقف إذا استيقظ من نومه متأخرا.. الذي يقضي حياته أسيرا لروتين قاتل ممل يمتص روحه يوما وراء الآخر حتى إذا ما بلغ سن التقاعد أصبح حطام إنسان..تائها مرتعبا كما السجين حين يفرج عنه بعد خمسين عاما من الحبس.. يقولون لي دائما حين أهذي بحلمي هذا، أحمد ربك على ما أنت فيه فهناك كثيرون يتمنون أن يكونوا مكانك.. فأقول الحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه..
آه من وظيفة تقتل الأمل و تنفث في روح فتية عجزا..تقضي على أي بذور موهبة تماما كما يقضي الجراد على المحاصيل..تصيرني فردا في عجلة إنتاج كالثور في الساقية لا يملك من أمره إلا الدوران فالدوران ثم الدوران حتى ينفق فيستبدل و لا يعاد يذكر..صيرتني هذه الملعونة جزءا من كل و أنا في طبعي كل كامل لا أحب التجزئة.. فأنا يا سادة لست موظفا يأتي و يذهب في وقت محدد..يؤدي عمله وفقا لمعايير الجودة و النوعية و تراتبية المناصب الإدارية..يترقب نهاية العام كي يقيمه موظف آخر أشد منه غلبا لولا سطوة المنصب و تلك النظرات المتضرعة الخائفة التي تشجع على ظلمها و التلاعب بها..منظومة العمل هذه كلها لا أستسيغها و لا أراني أستطيع أن أتلائم معها أو أتلائم عليها.. فحبي للحياة و الخوض في أوحالها و مراقبة ناسها أكبر من حبي للعمل و البناء و الانضباط و الانتاج..في داخلي صعلوك عتيد..ابن ليل خائض في كل شيء..ذو تجارب أكبر بكثير من سنوات عمري الثلاثين..لا أراني واحدا من هؤلاء الذين يفنون زهرة شبابهم في خدمة الشركات و رؤوس الأموال..يقضون أجمل سنوات العمر و أخصبها في غرف مغلقة خلف مكاتب مهترئة..أنا لست من هؤلاء الذين تبنى على أكتافهم الأوطان..لا أنتمي لذلك النوع الذي يضطلع بالمسؤوليات الجسام و يستخلص سعادته من إرهاق نفسه في العمل المضني لتحقيق الفائدة للعموم..
أنا أولئك المهمشون الذين يتركون على ناصية الحياة..يتفرجون عليها..يراقبونها..يتمرمغون في طينها..يضحكون بهستيريا على كل ما فيها بينما يضحك الناس منهم إشفاقا..أنا الحكواتية و المغنواتية و الصعاليك..أنا الحشاشون و الأفاقون و المجاذيب.. أنا أولئك الذين يقطر حديثهم جنونا به مسحة من حكمة..أنا الأرصفة و الأزقة التي تحمل في ثناياها ذلك التاريخ المنسي..تلك الصفحات التي لم يهتم المؤرخون بتسجيلها..أنا ذلك اللسان الحارق الذي يعري الأشياء كلها..أنا العين التي رأت كل شيء.. الروح الصاخبة الساخرة الحاذقة التي تجيد التعبير عن كل شيء.. أنا تلك الذاكرة الجمعية التي تشكل روح الإنسان.. وجودي و أمثالي مهم لكن وضعي في المكان الخاطئ مهلكة للكل..أنا لست عاملا يابانيا أنا صعلوك عربي و لديه حلم (مع  كامل الاعتذار لأحمد الشقيري)..

الأحد، 28 أغسطس، 2011

مدن الحرية

مدن لا تشبه باقي المدائن.مدن يحمل ريحها أصداء أمم قد خلت. تشعر بهذا الثقل في هوائها. رائحتها مختلفة عبقها دائماً محمل بالدم. بالارث. بالأسطورة. بالحزن. بالشجن. بالخوف. بالحلم. باطياف من ساروا على درب الحرية. ذلك الطريق القصير ذو النهاية الدامية. أناسها مختلفون عن باقي البشر. كأن الله لم يخلقهم من طين كالبشر. تخدعك مظاهرهم تتعجب من قدرتهم على التحمل. تستغرب استكانتهم لحياة ظاهرها بؤس و من باطنها عذاب. لزوجة أعينهم تخفي خلف الخنوع خبثا و مكرا يكاد لا يرى. تخفي خلف قناع الذل حلما  يحملون في أعماقهم روحا واحدة. تتخاطب الأرواح فيما بينها ترسم طريقها للخلاص. تتناقل الحلم أجيالا وراء اجيال بتؤدة و ارث من الصبر القاسي. يقذف رجالها في ارحام نسائها الحلم. تلد النساء الحلم طفلا  ترضعه. تغذيه. تربيه. تغرس الحلم في قلب الوليد. يكبر و الحلم سويا في سرية. يخوض في بحر الحياة و حلمه في جوفه يختمر. يزرعه في الأرحام كما زرعه ابوه و أجداده من قبل. هكذا انبثق الحلم في الأرواح بعيدا عن الأعين الراصدة.

هكذا غزل الحلم فتلة وراء اخرى.  حتى اذا حانت اللحظة المناسبة.  اللحظة التي اتفقت عليها كل تلك الأرواح التي نسجت الحلم. اللحظة التي زرعت في كل قلب و تنقلت بين الأجيال في سرية. لحظة رسمت ملامحها بدقة. جعلت لها مقدمات كأنها الساعة. جعلت لها علامات غابت عن العسس و كتاب التقارير. لحظة تقاطع كل الخيوط. لحظة اتصال كل الحلقات. لحظة اكتمال الحلم. لحظة اليقظة. لحظة الطوفان. لكل زمان طوفان يأتي بغتة يقتلع كل شيء. يعيد كل شيء لنقطة البداية الاولى. هذا هو الارث و هكذا تقول الاسطورة.

الطوفان. طوفان من البشر. يملئون كل شيء. يقتلعون كل شيء. يعيدون كل شيء للبداية الاولى كي يتمكنوا من البناء مرة اخرى. يفعلون هذا كله بتوحد. كأن كل هذه الأرواح التي حملت الحلم اتحدت في روح واحدة. روح عظيمة. تحمل في طياتها عبق ملايين البشر. تحتوي كل ازمنتهم. كأنهم صاروا شخصا واحدا. كل الوجوه صار لها نفس الملامح. نفس القلوب. نفس الدماء. الصوت واحد و النشيد ذات النشيد. تختلف الكلمات لكن اللحن واحد. الهتاف نفسه يملئ شوارع كل المدن. حرية! هكذا كانوا يهتفون. حرية.  حرية.  حرية.

انتهى الحلم. اصبح واقعا. اصبح حقيقة. اصبح ثابتا من الثوابت. موجودا الى الأبد. اصبحت مدن القمع مدنا للحرية. كلها صارت نفس المدينة؛ القاهرة مصراتة حمص تعز طرابلس الحمامات اللاذقية قنا الاسكندرية حماة الزاوية تونس عدن كلها مدن الحرية. لم تعد حلما. لم تعد وهما. لم تعد حديثاً لتزجية الوقت. لم تعد هما يصيب بالإحباط. صارت حقيقة نفاخر بها سائر المدائن. نحيا فيها و تحيا فينا. مدن الحرية ؛ حقيقتنا الوحيدة و ما خلاها ليس شيئا. 

الثلاثاء، 2 أغسطس، 2011

يا مجند..صدرت الأوامر

صدرت الأوامر..وجه سلاحك يا مجند نحو أمك..نحو أخوك..نحو جارك..نحو طفلك الرضيع..وجه سلاحك نحو قلبك..اقتل بعنف كل طفولة و أخوة..اقتل ببندقيتك ما تبقى من ترانيم العروبة..انتشر في تشكيلاتك الحربية..استمع إلى آخر التوجيهات العسكرية..احشد قواك و شد من أزر البقية..استعد للاقتحام..للدفاع عن الوطن ضد الوطن..جهز صورة للرئيس..لترفعها فوق أنقاض الوطن..أيعقل أن يكون العسكري بكل هذا الغباء؟ ألا تسأل نفسك..لم أوجه فوهة بندقيتي نحو ذكريات الطفولة؟ ألا تسأل نفسك؟ أرضي المحتلة هناك..رابض بها جيش العدى الذي نتمرن على قتاله كل يوم، فلم أحتل أرضي الحرة اليوم إذا؟ أتراك نسيت..أم أن عقلك لا يتسائل؟ و هل تستوي الحياة بدون تساؤل؟ أيكون إنسانا من كان دون سؤال؟ اكتفيت بما قاله القادة..أنستك هيبة النياشين الكاذبة و سطوة الرتب المرتعشة أنك إنسان قبل أن تكون مجندا..ألا تفكر؟

 أنت لم تعد جنديا عربيا..أنت مجند في جيش اللصوص..أنت حامي حمى الاستبداد..آلة للقتل..ماكينة للدمار..للهلاك..أنت لست فخر الجندية العربية..انس التاريخ الذي دروسك إياه في الكلية..انس صلاح الدين و قطز و أيبك..امح من ذاكرتك صورة ذلك المقاتل في سبيل الحرية..لا تقف بفخر تحت راية الوطن..لا تردد بصوت أجش نشيد العروبة..لا تنظر لسلاحك بفخر فأنت لست جنديا في جيش الشعب..أنت مكلف بحماية اللصوص..ترمي رصاصات غدر من بنادق مصنوعة في جهنم..ترمي بها إلى الصدور العارية..تفجر القلوب العذبة النقية..تقتل روحا عربية..تقتل الوطن ثم ترفع صورة الرئيس..تقطع حنجرة من غنى للوطن بصوت مغمور بعبق التاريخ القديم..بتعب الملايين و غلبهم..لتغني نشازا نشيدا للرئيس..

هي حرب لا نصر فيها..هي حرب لا تموت شهيدا فيها..هي حرب لا تستطيع أن تنهيها..فالجندي لم ينتصر يوما على الفكرة..أسمعت يوما عن جيش تمكن ممن الانتصار على ثورة..لو قتلت كل نفس..و اقتلعت من كل الصدور كل قلب..و قطعت كل الآذان و انتزعت كل الألسن..ستسمع من باطن الأرض نشيد الحرية..ستبقى الفكرة..سيموت العسكري و تبقى الفكرة..أسمعت يوما عن جندي هزم الفكرة...

الأربعاء، 6 يوليو، 2011

جدة أم الرخا و الشدة

حنين جارف يأخذني إلى جدة. ذكريات الطفولة و الشباب الأول..أماكني التي أرتدتها حتى ألفتني..صدى وقع أقدامي على أرضها يرن في أذني..الأزقة المكتظة بآلاف الأجساد..شوارعها المعقدة..البسطاء مثلي من أهلها الطيبين..الروح الحية الدم الحامي و اللسان الحراق..الزناوة و الهيامة و النكتة الحاضرة.. الشتائم الحارة و الحميمة في نفس الوقت..تلك الفوضى التي أحبها و لا يفهمونها..تفصلني عنها مسافات و أزمان..كلانا تغير..أصبحت جدة "جدتين"..اتسعت الهوة و أصبح أهل جدة نوعان..أحب أحدهم و أمقت الآخر..و أنا ازددت نقما و تبرما..ليس تعنصرا لكن أسماعي اشتاقت لسماع لهجتي..لتلك الأصوات المشحونة المعجونة بعبق ثقافات كل الدنيا.. اشتقت لتلك الملامح المختلفة المتشابهة..ذلك التنوع الثري..المضحك أنني في صغري كنت أمقتها..أتوق للانعتاق من حبلها الذي كنت أظنه خانقي..طرت فرحا و أنا أتأهب للرحيل..كانت تبتسم..ظننتها فرحة هي الأخرى و هي تتخلص من أحد أبنائها المشاغبين..لم أكن أدري أنها كانت تتبسم إشفاقا..أو لعلها كانت  شامتة..لأنها تعلم أن نسيانها هو المستحيل عينه..لأنها تعلم ما تخفيه الدنيا لمن شذ عن طريقها..لأنه يستحيل التمرد على متمردة..

تستقي شخصيتها من بحرها الهادئ في ظاهره المضطرم في أعماقه..بها خبث جميل تطبع به كل من خرج من رحمها..هي لعنة كلعنة الفراعنة..تصيب من رمته أقدار الهوى في حبها..تسقيه من ريقها  رشفات لا يستطعمها في حينه لكنها تتغلغل في روحه فإذا حان الفراق بحثت حواسه عن تلك النكهة العذبة فلا تجدها..تعذبه بما كان سبب سعادته..فيمضي أيامه في حنين متواصل لعذوبة مذاقها الفريدة..أشتمها أحيانا..أحاول أن أطردها من ذاكرتي و أحيا في أحضان هذه المدينة..لكنها دائما هناك..تجري مني مجرى الدماء..أحاول حبسها بعيدا في ركن مظلم من دماغي..لكنها تنسل من بين القضبان و تجوس في أرجائي..تنكئ علي جراح البعد كل ليلة..و تمرر أوتارها على الندوب لتعزف لحنا شجيا حزينا..مواله اشتياق و اشتياق فاشتياق..يغزوني الحنين إلى جدة دائما حين ينسدل رداء الليل..يعم السكون و يخلد أهل هذه المدينة لنومهم..أشعر بشيطان جدة يتحرك في عقلي مبعثرا سكون ليلي..أين ليل جدة الصاخب من وحشة هذا المكان..الليل هنا مظلم..كئيب..ليل حقيقي خال من الضوضاء..ليل  يصلح للأشباح..الصبح كذلك هادئ هنا..يستفزني الهدوء فأنا ابن جدة عاشق للصخب و الضوضاء..أحب صباحات جدة التي تخترق هدوئها أبواق السيارات زاعقة تختلط بأصوات الباعة الجائلين..تنصهر هذه الأصوات كلها متعالية إلى السماء في سيمفونية مزعجة ملوثة لا تطرب لها إلا آذان ألفت هذا النشاز..
حتما سأعود إليها يوما..ستصافح قدماي شوارعها في شوق..سأرتاد أماكني تلك..ستستمع أذناي بصخبها الجميل..سأسير في شوارعها و أروم أزقتها المكتظة مبتسما..مستمتعا بكل تفاصيلها..سأعتذر لها عن الغياب..لن أرحل هذه المرة..سأبقى فيها حتى يصيرني الزمان جزءا من تربتها..فأنا لست من العابرين..أنا ابنها..أنا منها و هي مني..العابرون لا يفهمون هذا الارتباط الأزلي..لا يعرفون ما هي جدة..العابر هو ذاك  الذي يمر بالمكان دون أن يتوغل فيه..دون أن يأخذ من روح المكان شيئا و يترك فيه شيئا من روحه..و هؤلاء كثيرون..يأتون جدة و يذهبون و هم يذمونها..لأنهم لا يفهمونها..لإن كانت لندن عاصمة الضباب و باريس ديار الأناقة و دبي مثال التمدن و التطور، فإن حفرة من حفر شوارع جدة المتعبة تساوي كل هؤلاء و أكثر في أعين من ابتلي بعشق هذه القاتلة..جدة..أم الرخا و الشدة..

الأحد، 3 يوليو، 2011

لا تبك يا أم الشهيد


شهيد قدم حياته كي يعيش وطنه. انطفئ النور في محاجره كي يضيء نورا يملئ أرض مصر ضياء ينير الطريق أمام وطن قضى في العتمة دهرا. لم يكن مناضلا و لا جنديا محترفا. لم يكن سياسيا و لا زعيما و لا بطلا. كان شابا و كفى. شابا مصريا بسيطا لو قابلته في الشارع لن تتذكره. شابا كسائر الشباب، خاطب يكد و يعمل لتوفير قوته و تجهيز نفسه للزواج. لا يعلم شيئا عن الأيديولوجية و الأحزاب و الحراك السياسي و النضال الشعبي. سمع صوت الأرض يناديه فلبى النداء. سمع اختناقة مصر فمنحها نفسه و قضى دونها. مارس البطولة ببساطة الغلابة. تلقى الرصاص الغادر و مات واقفا كالنخل. لم تكن له من كل الأمر غاية و لا سمعة. سمع مصر فحمل كفنه و ذهب يلاقي الموت لتعيش مصره شامخة متدفقة كالنيل في أزليته.
مات الشهيد. سقط فرعون. لكن جنوده توارو في خبث حتى تحين اللحظة المناسبة. حانت حتى قبل أن يتوقعوها. انشغلنا نحن بالورث و تركنا الشهيد جثة بلا روح. ذكرى بلا شجن. وضعنا الأنظمة و انخرطنا في التنظيمات. انهمكنا في التنظير و استعراض البطولات. نسينا أن ندفن الشهيد و نأخذ عزاه. بسطنا قبضاتنا و نسينا أن نبقيها مضمومة في وجه من اغتال الشهيد. لملم القتلة بعثرتهم و انتفضوا. أحد أخرى. من قال أن التاريخ يعيد نفسه لم يكذب. تركنا الجبهة و انطلقنا نحو الغنائم فهب القتلة و أثخنوا في القتل. عذبوا أم الشهيد. ضربوا أخاه. أهانوا ذكراه. أخذتنا الصيحة فوقفنا مشدوهين نتفرج على القاتل يقتل الشهيد مرتين.
لا تبك يا أم الشهيد. هي أحد و من ورائها الفتح العظيم. لا تبك يا أم الشهيد فكلنا أبناؤك. كلنا شهداء و إن كان بعضنا مازال حيا. لا تبك يا أم الشهيد فلن تذهب دماؤه الطاهرة هباء. لا تبك يا أم الشهيد فحقك راجع. ميدان الشهداء سيجمعنا من جديد. هذه المرة لن ننسى. لن نستكين حتى نهزم الظلم. حتى تتحول دموع عينيك أنهارا من فرح تغسل حزنك و تحيط بالفخر قلبك. حتى تغشى وجوه الزبانية قترة. حتى تفتح أبواب جهنم لتستقبل جحافلهم. حتى تري ملامح ابنك في كل الوجوه. لا تبك يا أم الشهيد فالشباب جبل على العناد. لا تبك يا أم الشهيد فحقك لن يضيع. لن يتبعثر دم ابنك بين القبائل. لا تبك يا أم الشهيد فكل الشهداء خارجون إلى الميدان. باقون هناك. حتى يلتحق الجنود بفرعونهم هناك، في أسفل سافلين...لا تبك يا أم الشهيد...

الاثنين، 23 مايو، 2011

منال الشريف ليست جوهرة مكنونة

منال الشريف ليست جوهرة مكنونة و لا لؤلؤة مصونة. كما أنها ليست من القوارير و لا هي مكسورة الجناح تحتاج من تنضوي تحت جناح وصايته. هي ليست داعية تغريب و لا تنتمي لأي تيار، كما أنها لا تحمل أجندة خارجية و لا هي من المغرر بهم. هي امرأة و كفى. مواطنة فقط دون قيود و لا أيديولوجيات. امرأة من نساء الوطن. بها صلابة تحد، و ثبات عزيمة، و كبرياء أنثى أحرجت بها رجولتنا المشروخة و عنترياتنا الهوائية و بطولاتنا الوهمية. توارت أمامها "شنبات" من تلك التي يقف على أطرافها الصقر، و أطرقت أمام رجولة هذه الأنثى خجلا.

حقيقة كلي حرج و أنا أكتب هذه الكلمات الفقيرة أمام غنى موقفك يا سيدتي. فقد تمكن فعلك الجريء من تحطيم كل الأعراف و التقاليد و الثوابت و الخصوصيات التي كبلت أيدي الوطن لعقود مانعة إياه من مواكبة العالم سدا للذرائع. أقف خجلا أمام ما قمت به من عمل يتخطى ألف مقال ملتهب، فأنا يا سيدتي أجبن من أن أتحدى السلطات كما فعلت أنت. سامحيني، فكل ما أستطيعه هو أن أرص هذه الكلمات السخيفة جنبا إلى جنب تضامنا و تعاطفا و اسمحيلي. سأتنصل منها كلها عند أول اتصال من رقم "خاص" و مع أول زيارة فجرية من هؤلاء اللذين تعرفينهم. فأنا لست حملا لما تتعرضين له و سوف تتعرضين له مستقبلا. فبعد مرارة الحبس ستواجهين مرارة الجحود و النكران و الشتم و الأذى و التخوين و التكفير كذلك و لا تستغربي إذا وصل الحال لإباحة دمك و أنا يا سيدتي تعودت المشي "جنب الحيط" و لم تتعود قدماي على الخوض في الأسفلت. لذا سامحيني إذا لم أتمكن من الانتصار لك، و اعذريني إذا أصبحت سجينة أبدية و قضية منسية لكن اسمحي لي أن أقول أنني فخور بك.

قلتها سابقا و أكررها على الدوام: التغيير في السعودية تقوده المرأة بخطى ثابتة و شجاعة منقطعة النظير...

الأحد، 24 أبريل، 2011

من صعلوك مبتدئ إلى شيخ الصعاليك..عمنا محمود السعدني

أهديها إلى روح الولد الشقي عميد الصعاليك، محمود السعدني..عليه من الله رحمة..
أعلم أنك هناك في الأعلى تنظر إلينا ترى بعينيك ما عشت من أجله و قد أضحى واقعا. الشعب العربي صحي يا عم محمود. في تونس ثم في مصر و لا يزال يواصل الصحيان في باقي أقطار الوطن العربي الكبير. قلتها أنت سابقا، الجذور لا تزال طيبة و هذه الطغم من حاكمين مستبدين، سياسيين لصوص، و مثقفين فواعلية من أصحاب نظرية يا بخت من نفع و استنفع اختفت و اندحرت و هربت. صحيح أن البعض يحاول القفز على الثورات و ركوب الموجة لكني أبشرك، الجيل العربي الجديد واع لدرجة المفاجأة. لم تعد تؤثر فيه الخطب العصماء و لا القمع و لا أجهزة المباحث و المخابرات و لا إعلام السلطة.نحن الآن نعيش زمن الحقيقة. لم يعد للمتلونين مكان فالتقنية الحديثة التي لم يعاصرها جيلكم و إن عاصرها لم يفهمها، أصبحت تكشف المستور و تظهر الظاهر و المستخبي.
 كم وددت أن تكون بيننا، تشهد انتصار الشعب..ترى بأم عينك الشباب و هو يتحدى العجز و يخطف مصيره من فم أسد عجوز..كم وددت أن أقرأ لك مقالا في أيام الثورة، لكن يبدو أن الأقدار كانت رحيمة بك لأن مقالا من مقالاتك اللاذعة كان سيجلب عليك المهالك في هذا العمر..تكفيني قراءة مقالاتك القديمة و كتبك فقد تنبأت بهذا دائما..راهنت على الشعب و هويته و إيمانه أبدا فتجلت الحقيقة..كم تمنيت أن تكون بيننا، تشهد الشعب الليبي و هو ينفض غبار التسلط و ينتفض في وجه القذافي..القذافي الذي تعرفه جيدا، و سخرت منه و تتريقت عليه كثيرا..آه لو سمعت خطاب زنقة زنقة ما كنت ستقول؟ مجرد التفكير في ذلك يدفع إلى الضحك، لكنه ضحك كالبكاء فأنت تعرف هذا المجنون و أفعاله الحمقاء..
لا أظن أنك هناك في الأعلى...أعتقد أن السماوات أعطتك إذنا لتنزل إلى الدنيا بروحك الأصيلة و صعلوكيتك العريقة و تشاركنا الثورة..فالصعلوك لا يقر و لا يثبت في مكان..شاهدت روحك الفتية الساخرة في كل مكان من أرض مصر..في الميدان.. كان محمود السعدني هناك..يحدف الطوب، يشترك في الدفاع عن ثورة الشعب، يسخر من الحكومة..و أنا متأكد أنه لو كان السعدني هناك بجسده لانضم البلطجية إلى الثوار من فورهم، فما من أحد مثل السعدني يستطيع النفاذ إلى قلوب البسطاء و الغلابة..شاهدت السعدني في الميدان..رأيته في اللافتات التي حملت تعليقات لاذعة حتى شككت أنه كتبها بيده..أكاد أسمع ضحكاته و أرى وجهه في كل الوجوه..أشعر بروحه في مكان ما..هناك وسط الثوار..يسخر من النظام و يبكي فرحة الشعب..
فطوبى للسعدني و طوبة لمن لم يفهم، على طريقة عميد الساخرين و الصعاليك محمود السعدني